فصل
تبين لك مما حررناه: أن سبب صيام المغرب برؤية المشرق، هو الاشتراك في الليل، وسبق في المقدمة أن: (السبب، ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدم الحكم) والاشتراك في الليل كذلك، فإنه إذا وجد، وجد صيام المغرب برؤية المشرق.
وإذا لم يوجد، لم يجب الصيام، هذا هو سبب الحكم وعلته، لا شيء آخر غيره. وبعد ما استمعت إلى ما بسطناه وأوضحناه، فاستمع إلى ما قاله صاحب الإشكال، واحمد الله على نعمة العقل الذي أنعم به عليك، واسأله أن يريك الحق حقًا، ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلًا ويرزقك اجتنابه، فإن من الخذلان [1] أن تنعكس الأمور في عقل شخص وقلبه، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًا، كما تلمسه في الثنايا [2] هذا الإشكال، وبين سطوره وكلماته.
وإليك خلاصته: إن العمل برؤية المشرق معناه: أن يعتبر العامل نفسه في الشهر الذي رؤي هلاله بالمشرق بحيث يلتزم حكمه في الصوم وفي الكراء وفي كل شيء، فإذا رؤي هلال رمضان بالمشرق، وجب على العامل برؤيته أن يعتبر نفسه في رمضان من وقت الرؤية-الذي هو الساعة الثالثة بعد الظهر بالمغرب-فيصوم في تلك الساعة، لأنه الوقت من رمضان المشرق باتفاق العقلاء، فإن قال: لا يلزمني الصوم إلا بعد الغروب، سألناه عن ذلك الوقت الذي بين الساعة الثالثة التي رؤي فيها الهلال بالمشرق، وبين الغروب من أي شهر هو؟
فإن قال: من شعبان، كان قد ترك العمل برؤية المشرق ورجع إلى العمل برؤية المغرب، حيث لم يعتبر نفسه في رمضان المشرق ولم يلتزم حكمه من وقت ثبوت الرؤية، وإن قال: من رمضان، كان مفطرًا في الوقت الذي هو من
(1) -يقال: خذله إذا ترك نصرته وعونه. والشأن أن ترى الحق حقًا وتتبعه، وترى الباطل باطلًا وتجتنبه.
(2) -قال فضيلة شيخنا محمد بوخبزة: الثنايا: من أسماء الأسنان. ويعني شيخنا أن استعماله للثنايا في هذا المكان غلط، كما بينته في كتابي: (مجموعة الرسائل في أهم المسائل) (ص:346) ، من منشورات دار الكتب العلمية.