وقال شيخ الإسلام:".. إن نشدان النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ في أمرها ثم إبطال دَمِهَا دليلٌ على أنها كانت مَعْصُومَة، وأن دَمَهَا كان قد انعقد سببُ ضمانِه، وكان مضمونًا لو لم يُبْطِلْه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لو كانت حَرْبِيِّة لم ينشد الناسَ فيها، ولم يَحْتَج أن يُبْطل دمها و يُهْدِره؛ لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدمٍ قد انعقد له سبب الضمان .. والمسلمون يعلمون أن دَمَ الحربيةِ غيرُ مضمونٍ، بل هو هَدْر، لم يكن لإبطاله وإهداره وجه .. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد المعاهدين اليهودَ عهدًا بغير ضرب جزية عليهم، ثم إنه أهدر دَمَ يهوديةٍ منهم لأجل سَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم فَأَنَّه يُهْدِرَ دَمَ يهودية من اليهود الذين ضُرِبَت عليهمُ الجزيةُ وأُلزموا أحكام الملة لأجل ذلك أَوْلَى وأَحْرَى"، وقال في موضع آخر:".. فلو لم يكن قَتْلُهَا جائزًا لبيّن النبي صلى الله عليه وسلم له أن قتلها كان محرمًا، وأن دمها كان معصومًا، و لأوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ بقتل المعصوم والدِّيَةَ إن لم تكن مملوكة له، فلما قال:"اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَر"عُلم أنه كان مباحًا مع كونها كانت ذمية، فعُلم أن السبَّ أباح دَمَهَا، لا سيما والنبيُّ صلى الله عليه وسلم إنما أهْدَرَ دَمَهَا عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السبِّ، فعُلم أنه الموجِبُ لذلك، والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك".
الدليل الثاني من أدلة السنة: قصة مقتل"كعب بن الأشرف"اليهودي، وقد أوردنا هذه القصة بتفصيلها في فصل"نصرة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم على يد أتباعه"، وننقل هنا أقوال الأئمة وتعليق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على هذه القصة لما فيها من فوائد واستدلالات عظيمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والاستدلالُ بقتل كعب بن الأشرف من وجهين:"