وقد تفرقت بطون معد من ولده نزار إلى أربعة قبائل عظيمة: إياد وأنمار وربيعة ومضر، وهذان الأخيران هما اللذين كثرت بطونهما فكان من ربيعة: أسد بن ربيعة وعنزة وعبد القيس وابنا وائل-بكر- وتغلب وحنيفة وغيرها.
وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين: قيس بن عيلان بن مضر وبطون إلياس بن مضر. فمن قيس عيلان: بنو سليم وبنو هوازن وبنو غطفان، ومن إلياس بن مضر: تميم بن مرة وهذيل بن مدركة وبنو أسد بن خزيمة وبطون كنانة بن خزيمة، ومن كنانة: قريش، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
وانقسمت قريش إلى قبائل شتى من أشهرها بطون قصي بن كلاب وهى عبد الدار بن قصي وأسد بن عبد العزى بن قصي وعبد مناف بن قصي.
وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس ونوفل والمطلب وهاشم وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله منه سيدنا محمد بن عبد الله وسلم). صلى الله عليه وسلم) [1] .
إذًا فقيدار هو أحد أجداد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك تكون الديار التي سكنها قيدار هي مكة المكرمة، وهي أيضًا الديار التي شهدت مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما"سالع"أو"سلع"فمن غير العجيب أن نعرف أن أشهر جبال المدينة النبوية هو جبل"سلع"الذي يقع غرب المسجد النبوي، وهذا الجبل ورد ذكره في كتب الأقدمين وأشعار السابقين كثيرًا، وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شهدت سفوح هذا الجبل معركة تاريخية هامة هي غزوة الخندق مع الأحزاب، لذلك عندما تقول تلك البشارة"لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال"فإنها في حقيقة الأمر تصف استقبال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قدم مهاجرًا إليهم، ويزداد عجب المرء عندما يرى هذا الترتيب الزمني في سياق البشارة، حيث بدأ الحديث عن ديار قيدار وهي مكة المكرمة ثم الحديث عن سكان سالع وهي المدينة النبوية وهكذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت بمكة ثم انتهت في المدينة.
وعند النظر في بقية البشارة بعد الحديث عن سكان سالع نجده تتحدث عن الحروب وعن انتقام الله عزوجل من أعدائه"الرب كالجبار يخرج كرجل حُروب ينهض غيرته يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه"، وهذا أيضًا ما يتفق مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن الجهاد ولا الغزوات ولا الفتوحات العظيمة إلا بعد الهجرة إلى المدينة النبوية وإلا بعد"ترنم سكان سالع".
وإذا تعمقنا قليلًا في بقية النص لوجدناه لا ينطبق إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقول"لا يصيحُ ولا يرفعُ ولا يُسمِعُ في الشارع صوته"، يتفق مع ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه سابقًا، حيث وصفت التوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه"لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ".
أما قول"قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يُخرجُ الحقَّ. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته"، فإنها تتحدث عن صفة هذا النبي المنتظر الذي لا يكل ولا يقف
(1) 1 - الرحيق المختوم 21 - 22 باختصار.