فإذا ذهبنا نستقصي المصدر الأول لفكرة الحتمية أو الجبرية وجدناها في تلك القوانين التي اكتشفها الإنسان للكون عن طريق العلم الحديث، دون معرفة مصدر هذه القوانين، والاعتقاد بأنها قوانين طبيعية حيث تدير الطبيعة نفسها فهي لا تتخلف. وفي هذا الاعتقاد خطأ أكبر وخطأ أصغر؛ أما الخطأ الأكبر فإنه من المستحيل أن تدير الطبيعة نفسها بمثل هذه الدقة؛ لأنها لم تخلق نفسها ولابد لها من خالق أساسًا، ثم هو نفسه تبارك وتعالى الذي يديرها لحظة بعد أخرى. ومن هنا فإن هذه القوانين مخلوقة لله تعالى وهو القادر على إبطالها. غياب هذا الفهم عند الفكر المادي جعل النظرية قائمة على شق واحد منها هو حتمية هذه القوانين وإغفال الجانب الهام منها وهو صانعها ومديرها والقادر على إبطالها.
ومن هنا يصور العلماء الحتمية بأنها: هي خضوع الأشياء لمبدأ التغير للقوانين الضرورية وهذا يعني أن الأحداث تترابط فيما بينها وفق قوانين موضوعية ومن هنا فإن الحتمية هي إنكارها المصادفة والاحتمال وحرية الإرادة وأخطر ما في الحتمية هي إنكارها حرية الإرادة، ذلك أن الحتمية لا تتفق مع إرادة التغيير، ومن هنا فهي تعطل هذا الجانب الهام الذي هو مصدر أصيل في إنشاء التاريخ وتلغي دور الإنسان في التغيير.
وهي في هذا تخالف الإنسان من جانبين: من جانب عجزها عن فهم قدرة الله المطلقة وقدرته على خرق القوانين وتغيير الواقع وقصورها عن فهم إرادة الإنسان التي منحها الله إياه، داخل الإرادة العليا للكون كله.
والفارق يسير جدًا فهو في نظر المسلم أن العوامل الظاهرة للحدث أو للقانون ليست هي وحدها العوامل الحقيقية، وأن هناك عوامل أخرى تخفى وهي من إرادة الله ومشيئته التي هي أكبر من الأسباب نفسها، والقادرة على تعطيل الأسباب أو إمضاء الأسباب من غير أن تحقق النتائج المترتبة عليها.