الصفحة 14 من 16

ولكن نظرية التعادل والتجمع بين القديم والجديد لم تلبث أن عجزت عن أن تحقق شيئًا وكانت نقطة الضعف فيها هي غياب القاعدة الأساسية التي يقوم عليها البناء. هذا فضلًا عن أن مرحلة النقل والاقتباس والترجمة والاستعارة قد مضى بها الزمن، وانتقل الفكر العربي الإسلامي في ظل التحديات التي واجهته بعد النكبة 1948 والنكسة 1967 إلى آفاق جديدة قوامها -بلوغ الرشد الفكري.

ومن هنا فقد كانت الدعوة إلى -البناء على الأساس- هي المنطلق الحقيقي لمواجهة الوافد وفرزه ومراجعته ونقده، هذه القاعدة التي يجب إقرارها أساسًا. ثم استئناف حركة الربط بين القديم والجديد والماضي والحاضر والشرق والغرب في ضوئها.

ولما كان الفكر العربي الإسلامي على مر العصور متفتحًا على مختلف الثقافات والأمم؛ فقد كان ملازمًا ذلك على طول هذا التاريخ قيام قاعدة أساسية ثابتة صامدة راسخة، هي التي تحمي الفكر والأمة من الذوبان والتحلل والتميع والانهيار.

ولما كانت صيحة الغزو الثقافي قد واجهت الفكر الإسلامي منذ اليوم الأول حين حاول عبد الله بن سبأ إخراجه من قيمه ومفاهيمه الأساسية، وتابعه على الطريق عبد الله بن المقفع ومن جاءوا بعده من الباطنية والشعوبية، وفي مقدمتهم -إخوان الصفا- فقد كان إقراره هذه القاعدة، قاعدة الأساس هي صمام الأمن في انطلاق الفكر الإسلامي وتطلعه إلى التطور والحركة.

ولقد عملت دعوة التغريب منذ اليوم الأول لتطويق ما عجزت عنه الحركة القديمة، واصطنعت نفس شبهاتها وإن كانت تحمل من الأساليب والأدوات ما هو أشد نفاذًا وأقوى وأعنف في سبيل زلزلة قوائم هذا الفكر وقواعده، رغبة في تذويبه في أتون الفكر الغربي، أو احتوائه على الأقل ودفعه إلى طريقة التبعية والعبودية للفكر الغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت