ولا ريب أن العبقريات وقعت تحت سلطان الفكر الغربي الذي تشكل الكاتب في أحضانه ثم نفذ منه إلى دراسة الإسلام دون أن يقدر مدى الفارق الدقيق والعميق بين ذاتية الإسلام في مفاهيمه ومناهجه والعوامل التي شكلت أهله، ولم يلتفت أيضًا إلى تميز النبوة الوافر، فالنبي في (عبقرية محمد) إنسان له مواهب وملكات منفصلة تمامًا عَن وحي السماء. وحين تجري مقارنته بنابليون أو غيره لا يلتفت تمامًا إلى اختلاف النوع وانعدام الصلة حتى ليبدو إغفال الوحي إغفالًا كاملًا في دراسته. ولم يرد إعجاب المسلمين بالرسول وحبهم له دون حدود إلى الإسلام نفسه وإنما رده إلى شخصية الرسول.
يقول غازي التوبة في دراسته عن العبقريات:"فلو اقتص دخول المسلمين على إعجابهم بشخص الرسول وحبهم له وافتنانهم به لانتهت الدعوة الإسلامية بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعد فاته ريثما يزول سحر الافتتان، ولكن الدعوة الإسلامية استمرت قرونًا طويلة؛ وما ذلك إلا لملاءمة الإسلام للفطرة البشرية التي انجذبت إليه في زمن الرسول ثم استمر الانجذاب في الأزمان التالية".
9-وغاية القول أن اعتماد كتابنا العرب والمسلمين في النظرة إلى النبوة والبطولة في ضوء تفاسير غربية إنما يحجب عنهم شيئًا كثيرًا من الحق.
ذلك أن الغربيين عن طريق مفاهيم عقائدهم وفكرهم لا يفرقون بين الألوهية والنبوة، بينما نحن نفرق بينها تمامًا.
كذلك فهو يرى أن الكتب المقدسة كتبها الرسل، ونحن نؤمن بأن الكتاب المنزل هو وحي من الله وليس من عمل النبي.
كذلك فهم يعيشون في إطار مفهوم الوثنية اليونانية القائمة على عبادة البطولة ورفع الفرد إلى مصاف الآلهة وأنصاف الآلهة. بينما يقصر المسلمون العظمة كلها والعبودية كلها لله سبحانه وتعالى.
كذلك فهم يجسدون البطولة في تماثيل، بينما لا يؤمن الإسلام بتجسيد البطولة ويركز مفهوم تقديرها في توجيه العمل البطولي نفسه خالصًا لله.