ومن هناك كان خطأ القائلين بالتفسير الاقتصادي، ذلك أن الأديان السماوية إنما تغير المجتمع كلية ومن الأساس، وهي حين تقصد أول ما تقصد فإنما تبني النفس الإنسانية وتشكلها تشكيلًا جديدًا فيه صمود وصبر وقدرة على مواجهة الاضطهاد واحتمال البلاء وتهيئها لعمل كبير توهب فيه الأرواح والنفوس ويجل عن المعاني المادية.
ومن هناك كانت دهشة المستشرقين وغيرهم لعظمة الفتح الإسلامي الذي صنعه هؤلاء الذين بناهم محمد في خلال ثلاثة عشر عامًا في مكة وغير بهم الدنيا كلها وليس جزيرة العرب وحدها، لقد نظروا إلى هذا الفتح الذي تم في خلال بضع وسبعين سنة على أنه معجزة لم تفسر: نعم كانت تعرف قريشًا أن معارضة محمد لهم لن تفقدهم نفوذهم الاقتصادي ولكنها ستلغي كيانهم إلغاءً كاملًا بكل فكره وماضيه ومواقفه الاجتماعية والأدبية.
إنه تغيير جذري ليس الاقتصاد إلا جانب منه، تغيير في نظام الموءودة وزواج الأخت في العلاقة بين الأهل وفي القضاء (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا: اعدلوا هو أقرب للتقوى) ، كان القوي إذا أذنب تركوه وإذا أذنب الضعيف أقاموا عليه الحد، الله تبارك وتعالى هو المشرع، تجريد الفرد من سلطانه ومن الخضوع لمقاييس الهوى، مقاييس جديدة ربانية لكل الأمور.
موقف جديد بالنسبة للقيم الكبرى: الحرب والعلم والكرم، فهي ليست موجهة للظهور أو الاستعلاء أو الجاه؛ ولكنها موجهة لله وحده، شعار لا إله إلا الله يغير المجتمع كله ويغير النفس الإنسانية على مختلف المستويات الدينية والاجتماعية والفكرية والنفسية والأخلاقية، ليست حركة طبقة ضد طبقة، ولا ثورة الفقراء على الأغنياء؛ فقد اشتركت فيها الطبقات واشترك فيها الأغنياء والفقراء، وخرج الأغنياء عن مالهم، وخرج الأبناء عن آباءهم وأنكروا ترفهم وفجورهم.
ويبدو ذلك واضحًا في لقاء المشركين للنبي: