ومن هنا نعجب من قول أحدهم حين قال:"ومحمد بهذا ليس في حاجة إلى خارقة تعينه على إقناع الناس بما يقول؛ لأنه بما يقول إنما يستجيب لآمال الناس وأحلامهم".
ولقد تردد هذا القول قديمًا في (النثر الفني) وفي بعض كتابات (الشعر الجاهلي) وغيره، وهو من زيف المستشرقين الذين يهدفون به إلى التقليل من عظمة الرسالة الإسلامية.
ولقد واجه العلامة فريد وجدي مثل هذه الشبهة حين قال:"إن قريشًا وهي أرقى القبائل لغة وفهمًا ومكانة لم تقبل دعوة النبي إلا رجالًا ونساءً لا يزيد عددهم على بضع عشرات. ولو كانت قريش أقرب العرب إلى الحضارة لقبلت دعوة محمد بصدر رحب وأحلتها المكان اللائق بها ونهضت تحت قيادته لجمع كلمة القبائل وإبطال دينهم."
"إن اتباع النبي الأولين اضطهدوا اضطهادًا شديدًا حتى هاجروا إلى بلاد الحبشة، وأن الجاهلين كانوا يهزءون بالدعوة للدين وبالداعي إليه، وأن النبي لبث على هذا الحال من الاضطهاد ثلاث عشرة سنة، ولما أنست قريش من النبي الهجرة قررت قتله وأرصدت له، ولما علم أهل مكة بأفلاته اقتفوا أثره، كل هذا ينطق بلسان فصيح أن قريشًا وهي مظنة النجابة والفهم من العرب في ذلك العهد لم تكن (وقد استعدت للملك بعد تطورات عديدة) فإن المجتمع الذي يقاتل الداعي للتجديد والنهوض بهذا النفور ويصبر عليه ثلاثة وعشرين سنة لا يزداد بعدها إلا عنادًا وتشددًا لا يمكن أن يوصف بأنه مجتمع كان مستعدًا للنهوض وأنه سرعان ما نهض مع النبي صلى الله عليه وسلم .."
كذلك فإن قريشًا لم ترفض الإسلام لأنه يقضي على نفوذها الاقتصادي وحده، ولكنها كانت تعلم أنه قضاء على كيانها الفكري والاجتماعي والديني جميعًا.