وكذلك رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يوم أُحُد لما قيل لهم بعد إنصرافهم من أُحُد: إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوِّهم، وأعطَوهم الكَيْسَ من نفوسهم، ثم قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوكيلُ.
[ قال الشيخ ابن باز: المقصود أن المسلم يأخذ بالأسباب - الكيس - ثم يقول ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) والكيس هو الأخذ بالأسباب ]
فأثرت الكلِمة أثرَهَا، واقتضت موجبَها، ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3] ، وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فجعل التوكل بعد التقوى الذى هو قيامُ الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكَّل على الله فهو حسبُه، وكما قال في موضع آخر: {وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] فالتوكل والحسب بدون قيام الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مشوبًا بنوعٍ من التوكل، فهو توكُّل عجز، فلا ينبغى للعبد أن يجعلَ توكُّلَهُ عجزًا، ولا يجعلَ عجزَه توكلًا، بل يجعل توكُّلَه مِن جملة الأسباب المأمور بها التى لا يَتِمُّ المقصودُ إلا بها كلِّها.