وفى معنى هذا الشرك المنهى عنه قولُ مَن لا يتوقَّى الشرك: أنا باللَّهِ وَبِكَ، وأنا في حَسْبِ اللَّهِ وحَسْبِكَ، وما لى إلا اللَّهُ وأنتَ، وأنا متوكِّل على اللَّه وعليك، وهذا من اللَّهِ ومِنك، واللَّهُ لى في السماء وأنت لى في الأرض، وواللَّهِ وحياتِك، وأمثال هذا من الألفاظ التى يجعل فيها قائِلُهَا المخلوقَ نِدًّا للخالق، وهى أشدُّ منعًا وقُبْحًا من قوله: ما شَاءَ اللَّهُ وشئتَ.
[ قال الشيخ ابن باز: وهذه الألفاظ كلها لا تجوز وشرك وإطلاق الطبيب والخبير على العبد لا بأس به فللعبد ما يناسبه ولله عز وجل الكمال المطلق منها ]
فأما إذا قال: أنا باللَّهِ، ثم بك، وما شاء اللَّهُ، ثم شئتَ، فلا بأس بذلك، كما في حديث الثلاثة: (( لاَ بَلاَغَ لِىَ اليَوْمَ إلا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ ) )، وكما في الحديث المتقدِّم الإذن أن يقال: ما شاء اللَّهُ ثم شاءَ فلان.
فصل
فى النهى عن سب الدهر
وأما القِسْمُ الثانى وهو أن تُطلق ألفاظُ الذمِّ على مَن ليس مِن أهلها، فمثلُ نهيه صلى اللَّه عليه وسلم عن سبِّ الدهرِ، وقال: (( إنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ) )، وفى حديث آخر: (( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينى ابْنُ آدَمَ فَيَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِى الأَمْرُ أَقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهَارَ ) )، وفى حديث آخر (( لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ) ).
[ قال الشيخ ابن باز: أي هو الذي يتصرف في الدهر ويدبره وهكذا سب الأرض والجبال والبهائم فالمقصود هو عدم سب من لا يستحق السب ويستثنى ما كان على سبيل القصاص فمن سب رجلًا وقال أخزاك الله فرد عليه بقوله: بل أنت أخزاك الله فلا بأس به والإثم على المبتديء ]
فى هذا ثلاثُ مفاسد عظيمة. إحداها: سَبُّه مَنْ ليس بأهلٍ أن يُسَب، فإن الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ مِن خلق اللَّه، منقادٌ لأمره، مذلَّلٌ لتسخيره، فسابُّه أولى بالذمِّ والسبِّ منه.