فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 865

فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ كَانَتْ تَتَجَدَّدُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَانَ يُنْسَخُ بَعْضُ أَحْكَامِهَا بِبَعْضٍ مُتَكَرِّرًا تَارَةً وَغَيْرَ مُتَكَرِّرٍ أُخْرَى وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ آخِرُ حَالَيْهِ صلوات الله وسلامه عليه وَالصَّحَابَةُ عَلَيْهِمْ الرِّضْوَانُ لَمْ يَكُونُوا بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ مِنْهُمْ الْمُلَازِمُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْهَبُ وَيَعُودُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعُودُ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ إذَا عَادَ وَذَكَرَ حُكْمًا يُقَالُ لَهُ إنَّكَ لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثَ بَعْدَك وَقَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ مِثْلَ مَا اجْتَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ فَقَدْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَا لَا يُحْصَى وَمِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْعَشَرَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمُبَالِغُ فِي ضَبْطِ أَحْوَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَزْوَاجُهُ الْكَرِيمَاتُ الطَّاهِرَاتُ وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَهُمْ الْعَالِمُونَ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُمْ الْمُلَازِمُونَ إلَى الْوَفَاةِ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ صَحِيحٌ سَمِعَهُ مِنْ فَمِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لَكِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَوْ ذَكَرَهُ لِهَؤُلَاءِ لَقِيلَ لَهُ إنَّك لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ خُصُوصًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ وَنَقْلُهُمْ مُتَوَاتِرٌ وَنَقْلُ غَيْرِهِمْ آحَادٌ وَالتَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَدْيِهِمْ وَقَدْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَنَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ . فَلِذَلِكَ رَجَعَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ وَاتِّفَاقُهُمْ عِنْدَهُ إجْمَاعٌ وَالرُّجُوعُ لِلْإِجْمَاعِ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا بَلْ هُوَ عَيْنُ الِاجْتِهَادِ , وَهَذَا بَدِيهِيٌّ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لَهَا كَيْفَ تَلَقَّوْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ - صلوات الله وسلامه عليه - فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَعْلَى وَأَكْثَرُ وَأَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إلَّا إلَيْهِمْ فَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ فَلَا يَخْلُو الْحَالُ إمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالْجَهْلِ وَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِي الْعَاقِلُ أَنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَسُوءُ الظَّنِّ فُسُوقٌ وَإِمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِتَعَمُّدِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّلَاعُبِ وَهَذَا أَدْهَى وَأَمَرُّ وَإِمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا الْحَدِيثَ لِأَمْرٍ قَوِيٍّ وَهَذَا مَا نَدَّعِيهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ قَدْ يُعْرَفُ وَقَدْ لَا يُعْرَفُ فَإِنْ كَانَ اتِّفَاقُهُمْ إجْمَاعًا كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَهُوَ مِثْلُهُ أَعْنِي لَا بُدَّ لِمُخَالَفَتِهِمْ مِنْ مُسْتَنَدٍ إذْ لَا سَبِيلَ لِتَجْهِيلِهِمْ وَلَا لِتَضْلِيلِهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ لَك صَرِيحُ الْحَقِّ إنْ كُنْت تَقْبَلُ وَاَلَّذِينَ يَحْتَجُّ الْإِمَامُ بِعَمَلِهِمْ هُمْ التَّابِعُونَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ وَهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ نَهْجِ الصَّحَابَةِ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُجَّةٌ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وَهَذَا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفُوا فَإِنْ شَذَّ الْمُخَالِفُ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الدَّلِيلِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّرْجِيحِ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ الْمُجْتَهِدُ , وَقَدْ يَضْطَرِبُ نَظَرُهُ فَيُنْقَلُ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ هَذَا وَمَا الدَّاعِي لِهَذِهِ الشَّقْشَقَةِ وَالْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ وَالْقَدْحِ فِيهِمْ أَمَا عَرَفَ أَنَّ لُحُومَهُمْ مَسْمُومَةٌ . وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ { مَنْ عَادَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ } فَلْيَخْشَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ أَوْ يُسْلَبَ إيمَانُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَنَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَضَبِهِ وَمَقْتِهِ وَاسْتِدْرَاجِهِ . وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَسْتُرُ جَهْلَهُ بِسُكُوتِهِ وَالْآنَ يَسْتُرُ الْجَهْلَ بِالْقَبَاحَةِ وَالْوَقَاحَةِ وَأَيْنَ هَذَا الْغَبِيُّ مِنْ مَرَاتِبِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَضْلًا عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت