أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ , وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ عَنْ أَشْهَبَ الْقَوْلَيْنِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ يَنْفَعُهُ وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَهُ قَوْلَانِ أَيْضًا فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بُطْلَانُ الشَّرْطِ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَعَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ جَائِزٌ فِيهِمَا , وَقَدْ صَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي بَابِ الرُّهُونِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْعَارِيَّةِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسْتَعِيرِ بِشَرْطِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْ لَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ فِي الْعَارِيَّةِ إلَخْ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يُعَلِّلْ ذَلِكَ إلَّا بِكَوْنِ الشَّرْطِ مُخَالِفًا لِأَصْلِ سُنَّةِ الْعَقْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَجْرِيحِهِ عَلَى إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ الْمُسْقَطَ الَّذِي هُوَ ضَمَانُ الْمُرْتَهِنِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ لِلرَّهْنِ فَتَأَمَّلْهُ هَذَا حُكْمُ الصُّورَةِ الْأُولَى .
وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ . وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفًا , فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ طَرِيقٍ مَخُوفٍ , أَوْ نَهْرٍ , أَوْ لُصُوصٍ , أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَتْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خَافَهُ وَاشْتَرَطَ الضَّمَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ا هـ . وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْك لَمْ تَضْمَنْهَا ا هـ .
( تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ ) إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَجَعَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ كَمَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَجَمَعَهُمَا وَقَالَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ . قُلْت: وَفِي عَزْوِهِ بُطْلَانَ الشَّرْطِ لِجَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ نَظَرٌ ; لِأَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ: إنَّ ضَمَانَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ , وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُعِيرُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَيْفَ إذَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ .
( الثَّانِي ) حُكْمُ الرَّهْنِ كَالْعَارِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَنَصُّهُ إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ , أَوْ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ , أَوْ الْمُرْتَهِنِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانِ , أَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ حَاشَا مُطَرِّفًا وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ , وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْأَلَةَ الرَّهْنِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ . قُلْت: وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ