والثاني - وعليه البغوي المقدم الدلالة العرفية لأن العرف يحكم في التصرفات لا سيما في الأيمان ، قال فلو دخل دار صديقه فقدم إليه طعامًا ، فامتنع فقال إن لم تأكل فامرأتي طالق فخرج ولم يأكل ثم قدم في اليوم الثاني فقد إليه ذلك الطعام فأكل فعلى الأول لا يحنث وعلى الثاني يحنث » . انتهى . وقال الرافعي في الطلاق: « إن تطابق العرف والوضع فذاك ، وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع ، والإمام الجويني والغزالي يريان اعتبار العرف » ، وقال في الأيمان ما معناه: إن عمت اللغة
قدمت على العرف ، وقال غيره: إن كان العرف ليس له في اللغة وجه ألبتة فالمعتبر اللغة ، وإن كان له فيه استعمال ففيه خلاف ، وإن هجرت اللغة حتى صارت نسيًا منسيًا قدم العرف .
ومن الفروع المخرجة على ذلك ما لو حلف لا يسكن بيتًا فإن كان بدويًا حنث بالمبنى وغيره لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة لأن الكل يسمونه بيتًا ، وإن كان من أهل القرى فوجهان بناء على الأصل المذكور: فإن اعتبرنا العرف لم يحنث والأصح الحنث ، ومنها حلف لا يشرب ماء حنث بالمالح وإن لم يعتد شربه اعتبارًا بالإطلاق والاستعمال اللغوي ، ومنها حلف لا يأكل كل الخبز حنث بخبز الأرز وإن كان من قوم لا يتعارفون ذلك لإطلاق الاسم عليه لغة .
تنبيه: قال الشيخ أبو زيد: « لا أدري على ماذا بنى الشافعي رحمه اللّه تعالى مسائل الإيمان إن اتبع اللغة فمن حلف لا يأكل الرؤوس فينبغي أن يحنث برؤوس الطير والسمك ، وإن اتبع العرف فأهل القرى لا يعدون الخيام بيوتًا » .
قال الرافعي: « الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة وذلك عند ظهورها وشمولها وهو الأصل . وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد » .
وقال ابن عبدالسلام: « قاعدة الإيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب ، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة » .