الصفحة 3 من 5

فمن المعلوم أن الله -تعالى- قرر أن هذه الأُمَّة أُمَّةٌ واحدة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} وجاء هذا المعنى من اقتران عبادة الله وحده بتوحيد الأُمَّة واجتماعها في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وهذه الآية فيها بيان اخية الاجتماع وهو حبل الله -تعالى-.

وحبل الله: أوامره وشرعه وهديه.

ومن المعلوم أن هذا الدين دين الله، وأن الناس جميعًا خلقوا من آدم وآدم من تراب، وما جُعلت القبائل والشعوب إلا من أجل قيمة التعارف لا غير، فهي لا تصلح لقيام أُمَّة ولا تحقيق صلاح ولا دفع ضرر كما قال -تعالى- {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ثم ذكر بعدها مناط الفاعلية في الوجود فقال -سبحانه-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .

فهذه القبلية والعشائرية وهي لها أسبابها القَدَرية التي نيط بها أحكام شرعية معتبرة إلا الولاء والبراء، فهذه لا تصلح أبدًا في دين الله -تعالى- كما قال -سبحانه وتعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فحصر الأخوَّة بين الناس بالإيمان لا غير، ودين الله -تعالى- الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم يفرق بين الناس في شيء على أساس الأصل في العرق أو البلد أو اللون، فهذه لا تُعرف أبدًا في دين الله -تعالى-.

وإذْ الأمر كذلك وهو كذلك، فإن الله -تعالى- كلف هذه الأُمَّة تكاليف جماعية لا تقوم إلا بجماعةٍ مؤمنة لا جامع لها إلا هذا المصدر من قولك مؤمنة، وكما قال علماؤنا: تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية الاشتقاق، يعني أن أمر الله -تعالى- لهذه الأُمَّة لا يكون إلا باجتماعها على هذا المناط وهو الإيمان، وهذا لمن علم دين الله على حقيقته وربط بين الأمر الشرعي والأمر القَدَري أدرك أن وعود الله بالنصر والتمكين لا تكون إلا بقيام جماعة المسلمين على هذا الوفق والتدبير.

ومن تفكَّر في أقدار هذه الأُمَّة وتدبر في تفكير أعدائها ضدها رأى أنها عُوملت معاملةً واحدة وكِيد لها على وفق أنها كيان واحد، ومن قرأ تاريخ الصراع المعاصر بيننا وبين الغرب بدءًا من نابليون إلى يومنا هذا علم هذا جليًا؛ ولذلك كانت فكرة الخبيث نابليون هو فصل جناحَي الأُمَّة المسلمة بين أفريقيا وآسيا بكيان غريب عنها، ولذلك نشأ في ذهنه الوعد الذي يجهله الكثيرون لليهود وهو ما سمي بـ «وعد نابليون» ، وهذا الأمر يعني أن قيام الأُمَّة المسلمة لا يكون إلا بالنظر اليها وحدة واحدة، وبداهة الرأي تعني أنه لا يمكن لقطر أن ينفلت من سلطان الجاهلية على انفراد دون حصول هبة الأُمَّة في أغلب أطرافها، والذين يريدون سلخ قسم واحد منها دون اهتزاز سلطان الجاهلية على المجموع هم واهمون، وبالنظر إلى أفكارهم نرى أنهم لا يفكرون بالشرع المنزل ليكون هو الفصل في قضايا السياسة والحياة وخاصة ما تعلق منها بموضوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت