فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 43

إن النتائج التي تمخضت عنها بعض الدراسات و الأبحاث لا تتعدى الأشخاص المنظرين لها، فهي جعلت منهم أغنياء و مشاهير، أما أمتنا فهي تنحدر في وادٍ خطير و واقعها واقع مرير. لقد عاد بعض المثقفين إلى بلادنا بأبحاث و دراسات و أطروحات ظاهرها فيه الرحمة و باطنها شر مستطير، و لم تثمر هذه الأفكار إلا جدلًا بيزنطيًا لا يسمن و لا يغني من جوع. و البعض الآخر جاء ليوقضنا بطريقة عجيبة، فهو لم يكلف نفسه إلا أن يكون صدى لأطروحات (ستيفن كوفي) أو مُصدِرًا (لمفاهيم البرمجة اللغوية العصبية NLP ) الصاخبة في أوساط مجتمع منهك مسكين، فهو يجلد جيوبهم بالدراهم ثم يطالبهم بعد ذلك أن يكونوا بناة حضارة.

و ما يثير الدهشة و الاستغراب تبني العديد من المحاضن التربوية، و بعض التيارات الدينية لمثل هذه البرامج متجاهلين علم الاجتماع و علم النفس المصدر الحقيقي للتطور و الحضارة و غيرها، مما تحتويه مظلة العلوم الإنسانية. فهم يتصدرون لإصلاح الأمة و المجتمع و في أيديهم حفنة من البرامج التدريبية! و لديهم فقر مدقع في الاطلاع على العلوم الإنسانية ناهيك عن الوصول إلى الجانب الفكري في تلك العلوم.

و لك أن تتأمل الفرق بين الجهد المبذول من فريقين من المثقفين، فريق بذل جهدًا متواضعًا في ترجمة دورات , أو قد يكون حضر لبعض البارزين في ساحة التدريب، ثم سطع نجمه فجأة ليخرج أمام الملأ مرشحًا نفسه مجددًا للأمة، و حينما تتأمل الأمر، و ترسل نظرات التدبر و التمعن تجد أنهم يسيرون في طريق الثراء و الشهرة بسرعة الصاروخ و أما المحتوى فهو على أقل تقدير لا يتلاءم و أمة جريحة تريد إبصار طريق التقدم و الرقي.

أما الفريق الآخر فهو قد بذل جهدًا جبارًا في البحوث و الدراسات بعد التأسيس العلمي و المعرفي ليقدم إضافة رائعة يعالج فيها واقع الأمة العربية و الإسلامية، بل قد يستشرف هذا المبدع مستقبل الأمة من خلال معطيات و دراسات عميقة تنم عن غزارة معرفة، و قوة تحصيل عبر السنين، ولو استفدنا من هذه الرؤى و هؤلاء الأفذاذ لحصل لنا خير كثير.

و لنأخذ نموذجًا لكاتب من كبار المثقفين و المفكرين العرب، إنه الدكتور محمد جابر الأنصاري الذي ألًف كتاب (العالم و العرب عام 2000) عام 1988 م، و اليوم و نحن في عام 2007 نقرأ بعضًا من كتاباته و استشرافه عن واقع الأمة العربية يقول:

"إنه التحدي الذي أخذ يحيط بالأمة العربية في أكثر من جهة. فإسرائيل أصبحت تملك على الأقل 200 قنبلة ذرية و لجوؤها إلى الابتزاز النووي حسبما نعرفه من طبيعتها مسألة لا تحتاج إلى برهان. و فيما يلي الواجهة العربية الآسيوية فإن باكستان توشك أن تصنع القنبلة إذا لم تصنعها بالفعل. و الهند سبقت إلى ذلك بسنين عديدة و هناك تقديرات لدى المصادر الدولية بأن إيران تعمل على حيازة رؤوس نووية بشكل أو بآخر. فماذا سيفعل العرب إزاء هذا الانتشار النووي في إقليمهم غربا و شرقا؟ خاصة و أن وكالة الطاقة الذرية لم تذكر أن بلدًا عربيًا ضمن دول العالم المرشحة لامتلاك القنبلة النووية في المستقبل القريب."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت