إن الله عز وجل وله الحمد والمنة بعث الرسل وأنزل الكتب لهداية الثقلين من الجن والإنس ، ولإخراجهم من الظلمات إلى النور فضلا منه وإحسانا ، وكان الله عز وجل قد فطر العباد على معرفته ، وتوحيده وخلقهم لهذا الأمر ، خلقهم ليعبدوه ويطيعوه ، ولكنه سبحانه لعلمه بأحوالهم وأن عقولهم لا يمكن أن تستقل بمعرفة تفاصيل عبادته التي ترضيه عز وجل ، ولا يمكن أن تستقل بمعرفة الأحكام العادلة التي ينبغي أن يسيروا عليها ، ولا يمكن أن تستقل بمعرفة الأخلاق والصفات التي ينبغي أن يتخلقوا بها ، أرسل سبحانه وتعالى رسلا مبشرين ومنذرين ، ليوجهوا أهل الأرض من المكلفين ، إلى توحيده سبحانه والإخلاص له ، وبيان الأخلاق والأعمال التي ترضيه سبحانه ، وليحذروهم من الأعمال والأخلاق التي تغضبه عز وجل ، وليرسموا لهم النظم والخطط التي ينبغي أن يسيروا عليها ، وأنزل الكتب لإيضاح هذا الأمر وبيانه؛ لأنه سبحانه هو العالم بأحوال عباده ، العالم بما يصلحهم ، العالم بما فيه سعادتهم العاجلة والآجلة ، فهو عالم بأحوالهم الحاضرة ، وبأحوالهم الماضية ، وبأحوالهم المستقبلة ، فلهذا أرسل الرسل ، وأنزل الكتب لبيان حقه والإرشاد إليه ، وتوجيه الناس إلى أسباب النجاة وإلى طرق السعادة في المعاش والمعاد ، وأنزل الكتب لبيان هذا الأمر العظيم ، قال جل وعلا في كتابه المبين: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا وقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وقال سبحانه وتعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ وبين الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وبين أن رسله أرسلوا بالبينات ، وأنزل معهم سبحانه الكتاب والميزان بالقسط .
والمراد بالكتاب: الكتب السماوية وهي كلامه جل وعلا ، وهو الذي لا أصدق منه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
والميزان وهو: العدل ، يعني: الشرائع المستقيمة ، والأحكام العادلة التي تشتمل على أسباب السعادة في الدنيا والآخرة .
هكذا أرسل الرسل ، وهكذا أنزل الكتب ، أنزل الكتب السماوية التي أشرفها وأعظمها كتاب الله العظيم القرآن ، وأنزل قبل ذلك التوراة والإنجيل وكتبا أخرى على أنبيائه ورسله ، عليهم الصلاة والسلام ، فيها الشرائع والأحكام والتوجيه إلى الخير والتحذير من الشر ، وكان فيما مضى يرسل سبحانه وتعالى إلى كل قوم رسولا منهم ، يوجههم إلى الخير ، ويأمرهم بتوحيد الله وينذرهم من الشرك بالله ، ويشرع سبحانه لهم الشرائع وهو الحكيم العليم الرحيم جل وعلا ، وكل رسول أرسله الله إلى أمة أرسله بالتوحيد الذي هو زبدة دعوة الرسل كلهم ، وأمرهم بحب الله جل وعلا ، والإخلاص له ، وتوجيه القلوب إليه سبحانه ، وشرع لهم من الشرائع على لسان