فالله عز وجل قد جعل لهم الأمن والأمان في عدم مقاتلتهم إن هم دخلوا الإسلام ، ولم يكن القتال الطريق الوحيد لدخولهم الإسلام
بل إن الإسلام دعا إلى عدم تمني لقاء العدو في الحالات التي يمكن تفادي القتال فيها إن قبلوا الإسلام على القتال أو دفع الجزية ، وأن لا يجعلوا القتال خيارهم الوحيد ، إن كان من الممكن تفاديه
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا ) )
والإسلام مبنى على العدل والإنصاف ، فإن لم يعتدي الكافرون على المسلمين وقبلوا العيش تحت ظل دولة الإسلام على أن يدفعوا الجزية الخيار الثاني قبل القتال وجب علينا إعطاءهم حقوقهم وعدم الاعتداء عليهم أو المساس بأمنهم .
قال تعالى:
{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة
وإن الناظر للسيرة النبوية يعرف جيدا كيف كان حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار والمشركين
ولنترك هنا ابن القيم رحمه الله يبين لنا هذه المرحلة النبوية منذ بعثته صلى الله عليه وآله وسلم إلى مماته
لتظهر لنا العلاقة الحقيقية التي ينبغي أن تكون عليها العلاقات بين المسلمين والكفار
قال رحمه الله:
فى ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله تعالى
أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ثم أنزل عليه { يا أيها المدثر * قم فأنذر } ( المدثر: 1 ، 2 ) فنبأه بقوله: ( اقرأ ) وأرسله بـ { يا أيها المدثر } ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح
ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله
ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله
ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام
: أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة