والقناديل، ولجأ إلى رحابها المسافر والمقيم، وهرع نحوها العلماء قبل الجهال، والجميع يرتمون بساحاتها، ويتمرغون في جنباتها، ويلثمون أعتابها، فتراهم من حولها يطوفون، وبأصحابها يستغيثون ويستعينون، وفي عرصاتها يهريقون دماء نذورهم وقرابينهم. وصدق الصنعاني رحمه الله حيث وصف هذه الحال بقوله:
أعادوا بها معنى سواع ومثله = يغوث وود ليس ذلك من ودي
وكم هتفوا عند الشدائد باسمها = كما يهتف المضظر بالصمد الفرد
وكم نحروا في سوحها من نحيرة = أهلت لغير الله جهلًا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبلًا = ويلتمس الأركان منهن بالأيدي
ورغم نهي النبي صلى الله عليه وسلم الشديد عن بناء المساجد على القبور، وتعيين قبره خاصة بالنهي إلا أن الخلوف من المسلمين لم يراعوا لهذه النصوص حرمة فيقفوا عند حدودها وذلك حين بنوا قبة على قبره الشريف. وما زال الملوك يبالغون في تحسينها ورفع سمكها ويقومون بإهدائها كثيرًا من قناديل الذهب والفضة والجواهر الفاخرة واللآلئ الثمينة، والأحجار الكريمة وقطع الألماس التي لا تقدر بثمن.
وقد أحصى بعض العلماء مدخرات هذه الحجرة عام: (1327هـ) فقدرها بسبعة ملايين من الجنيهات، وهذا التقدير بعملة تلك الأيام، ولو قدر ثمنها بالعملات الحالية لبلغت مئات الملايين أوألوف الملايين.
ومن هذه المدخرات إحدى وثلاثون مشكاة ذهبية مرصعة بالألماس والزمرد والياقوت وكثير من ثريات الذهب والفضة، ومائة مصباح ستة منها من الذهب والفضة. ومقابل الوجه الشريف حجر من الألماس البرلانتي في حجم بيضة الحمام الصغير يحيط به إطار من الذهب المرصع ويسمى بالكوكب الدري لشدة تألقه، وهو مثبت في لوحة من الذهب محاط بمائتين وسبع وعشرين قطعة كبيرة من الجواهر الثمينة. بالإضافة إلى كثير من عقود اللآلئ والمرجان وشمعدانات من الذهب الخالص المرصع بالجواهر الكريمة منها اثنان كبيران طول الواحد منهما نحو المترين.
وإلى جانب هذه الشمعدانات مكانس من اللؤلؤ ومراوح مرصعة بالأحجار الكريمة، ومباخر مرصعة، والعديد من المصاحف المجوهرة، والتحف الفاخرة، وكثير من الأساور والأقراط وخلافها [[] ].
كل هذا كان سنة 1327هـ فكيف كان الحال عام 1223هـ حين استولى أهل الدعوة على المدينة النبوية وأخذوا ما كان بالحجرة النبوية الشريفة من ذخائر وكنوز لينفقوها في الجهاد في سبيل الله وفي مصالح المسلمين؟!
هذه المغالات في القبور وزخرفتها جعلها ملاذًا للمضطرين، وملجأ للمكروبين يدعون أصحابها من دون الله فاسمع لأحدهم وهو يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم في تفريج الكربة من دون الله:
أخي إذا ما جئت في سوح أحمدا = تضرع له وامدد إلى نحوه يدا
وناد وقل يا سيد الرسل نجدة = تفرج عنا ما أقام وأقعدا
إلى أن قال: