بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
ثم أما بعد ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله زوى لي الأرض أو قال إن ربي زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها""
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى) متفق عليه.
فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم دخول الكفار في الإسلام غاية لترك القتال كما قال تعالى (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
وقد دل القرآن أيضا على أنهم إذا أعطوا الجزية وعاهدوا ترك قتالهم كما قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وثبت في صحيح مسلم من حديث بريده الطويل قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ..
والحاصل أن الكفار يخيرون إما أن يدخلوا في الإسلام وإما أن يعاهدوا ويعطوا الجزية وإما القتال فإن أسلموا أو أعطوا الجزية كف عنهم وإلا قوتلوا.
فهذه بشارات نبينا صلى الله عليه وسلم بأن ملك المسلمين سيعم بلاد الأرض كلها مشارقها ومغاربها حتى لا يدع بيت وبر ولا مدر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل ..
فلم تقتصر همة الرسول"صلى الله عليه وسلم"على التمكين في مكة فقط , ولم يكيف أحكام الدين وأصول التحرك به على الوضع القائم بها ..
بل كان يربي الصحابة رضوان الله عليهم على الصبر على الأذى بمكة .. ويبشرهم بملك كسرى وقيصر ..
ولم يربهم"صلى الله عليه وسلم"على تهيئة أنفسهم على الوضع الحالي وأنه منتهى المطاف .. بل رسخ"صلى الله عليه وسلم"في نفوسهم أن هذه مرحلة لها ما بعدها .. فكانت أجسادهم تعذب بمكة .. ونفوسهم تهفوا لإدخال الدنيا كلها في دين الله وبسط سلطان الإسلام على ربوع الأرض فهى دعوة عالمية لتعبيد الأرض كل الارض ومن هنا أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه، أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي، أو قوة مادية، وأن تخلي بينه وبين كل فرد، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته،