والنهي ولكن إنابتهم الخاصة إنما من هذه الجهة وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله في حقهم وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه وقوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له
فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة وليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح فأناب القلب أيضا بالمحبة والتضرع والذل والإنكسار وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة وانقادت لأوامره خاضعة له وداعية فيه ومؤثرة إياها على غيره فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه وقد قيل إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس وأناب الجسد في الأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل