فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 617

والنهي ولكن إنابتهم الخاصة إنما من هذه الجهة وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله في حقهم وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه وقوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له

فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة وليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح فأناب القلب أيضا بالمحبة والتضرع والذل والإنكسار وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة وانقادت لأوامره خاضعة له وداعية فيه ومؤثرة إياها على غيره فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه وقد قيل إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس وأناب الجسد في الأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت