فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 447

له من عمله إلا ما نواه به فإن نوى خيرا حصل له خير وإن نوى به شرا حصل له شر وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولي فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحا فلا يحصل له ثواب ولا عقاب فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحا أو فاسدا أو مباحا واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين أحدهما تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا وتمييز رمضان من صيام غيره أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم والمعنى الثاني بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه وهي التي توجد كثيرا في كلام السلف المتقدمين وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه كتاب الإخلاص والنية وإنما أراد هذه النية وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله عليه و سلم تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله عز و جل بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ المقاربة لها وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء فمنهم من قال النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص بذلك كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوي ذلك وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي صلى الله عليه و سلم وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا فهي حينئذ بمعنى الإرادة ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا كما في قوله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة آل عمران وقوله عز و جل تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال وقوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها هود وقوله ومن كان يريد حرث الآخرة الشورى وقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الإسراء وقوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الأنعام وقوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا الكهف وقوله ذلك خير للذين يريدون وجه الله الروم وقوله وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الروم وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت