فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 318

الجوابُ: هي صِفة كَمالٍ في الواقِع، حتَّى الرَّحمة في المخلُوق صِفة كمالٍ له، وعجبًا مِن هؤلاء الذِين يُنكرونها وَيقولون: إنَّ الرَّحمة تدلُّ على رِقَّةٍ ولينٍ ومَا أشبَه ذَلِك، ونَقول: الرِّقَّة واللِّين في مَوضعِها كمالٌ، والغِلظة والشدة في مَوضعِها كمالٌ، وفي ذَلِك يَقول المتنبيُّ:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى [1]

النَّدَى: العَطاء والبَذْل، وهو حِكْمة؛ يَقول: وَضْع النَّدى في مَوضِع السَّيْف مُضِرٌّ بالعُلا والأَخْلاق؛ لأنَّ الذي يَستَحِق السَّيْف أَحسَن ما نَضَع له السيفُ؛ فلو أنَّ مجُرِمًا مُفسِد في الأرض أمسَكْناه وقَدَرْنا عليه نَقول له: (هذه الفِلَّة لكَ، وهذه السَّيّارةُ لكَ، وهذا المُستَوْدعُ المَملوء بالخزائِن الذهَب والفِضَّة لكَ؛ لأنك مجُرِم) ؛ هل هذه حِكْمة؟ الجوابُ: لَيْسَت حِكْمةً.

(كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى) ، وإنسان صاحِب خَيْر وإحسان ومُستَحِقٌ لأن يُكرَم، فجِيءَ به ووضَعْناه على نِطَع القَتْل؛ قلنا: سنَقتُلُك الآنَ؛ لأنك مُحسِن.

هل هذه حِكْمة؟ الجوابُ: ليست بحِكْمة.

فهذا البَيْت من أعظَمِ ما يَكون من أبيات الحِكْمة والمُتنَبِّي مَعروف بأنه حَكيم الشُّعَراء.

فنَقول: إن الرَّحْمة صِفة كَمال من حيثُ هي هي، فإذا أُضيفَت إلى الله عَزَّ وَجَلَّ صارت أَكمَلَ وأَكمَلَ.

(1) الألفية (ص: 45) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت