العلم من كل فج، وظلت إسبانيا حاملة لواء العلم والمعرفة زهاء خمسمائة عام حتى قضى عليها بسبب الضربات التي وجهت إليها من الخارج.
نعم إن التاريخ لا يعرف «لو» أو «إذا» إنما يعرف الحقيقة والواقع. وفي أوربا أو على أطرافها حيث عاش الإسلام، ترك هذا الإسلام أحسن الآثار وأجلها. لقد خلق الإسلام وضعًا سياسيًا عالميًا جديدًا، فقد حطم حوض البحر الأبيض المتوسط، وبذلك خلق أوربا خلقًا جديدًا ونقل مركز الثقل السياسي من البحر الأبيض المتوسط إلى جرمانيا وأصبح الرين وحوضه، وليس جنوب أوربا، مركزًا أو نقطة ارتكاز السياسة العالمية.
صوتكوين جيوش الفرسان واستخدام نظام التمليك هما الإجابة الجرمانية على التحدي العربي. ثم أوجدت ألمانيا نظام الفرسان «الفتوة» الديني وكان يقابل نظام الرباط عند المسلمين، والحملات الصليبية والفيكينج ضد فلسطين مشبعة بالفكرة الإسلامية «الجهاد» .
لكن انتصار الإسلام وزحفه المقدس ومكانته الرفيعة التي تمتع بها، هدد الكنيسة وهدد رغبتها في سيادة العالم. والإسلام هو الذي أنقذ الكنيسة من الضياع. لقد اضطر الإسلام الكنيسة المسيحية إلى العناية بالعلوم الدينية والأخلاقية وكل ما من شأنه تقويتها وشد أزرها ضد خصومها. أما المقاطعة العلمية والاقتصادية التي فرضتها أوربا ضد العالم الإسلامي، فقد عادت بأوخم العواقب على أوربا نفسها وتركت أثرًا سيئًا جدًا على الأوربيين لعدة قرون، وفي اللحظة التي قامت فيها العلاقات واستؤنفت بين الشرق والغرب أخذت تنتعش أوربا التي لم تكد تنهل من ينابيع العلوم العربية ومن فنون العرب وعلومهم ووسائل العناية الصحية والإدارية حتى استيقظ الوعي الأوربي بعد أن ظل جامدًا قرون عديدة، وأخذت أوربا تنهض وترتقي نهضة غير منتظرة سواء في دروب الحياة أو الفنون وغيرها وانتعشت انتعاشًا جميلًا.
والواقع أن التعصب الديني وعدم التسامح كانا دائمًا من أعدى أعداء الشعوب