فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارا وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا [1] .
والإسلام وإن كان قد رغب في الإنفاق في سبيل الله وفى أوجه البر والخير وندب إلى الوصية في المال فإنه قد بين أن ذلك يكون في حدود ثلث المال لا يتجاوز ذلك، فقد أخرج أحمد في المسند والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمران بن حصين رضى الله عنه أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له وليس له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال [لقد هممت أن لا أصلي عليه] وفى رواية [فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة] [2] ويؤخذ من هذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أمضي الوصية في الثلث فقط وأقرها فيه كما أنه غضب من تصرف هذا الرجل عندما أوصى بكل ماله الذي يملكه وهم الأرقاء الستة ولم يقره عليها بل أقرها في الثلث فقط، ويؤكد هذا ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضٍ (أشفيت) [3] منه على الموت، فقلت يا رسول الله بلغنى ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لى واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال لا قال أى: سعد: أفأتصدق بشطره؟ قال - صلى الله عليه وسلم - لا: الثلث، والثلث كثير؛ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس] [4] .
ومن هذه الآيات والأحاديث التي أوردناها نتبين أن الله سبحانه وتعالي ينهى عن الإسراف والتبذير فيما هو مباح، وكذلك ينهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما هو مباح من
(1) ... تفسير ابن كثير ج 4 ص 138، 609.
(2) ... المسند ج 4/ 446 والمعجم الكبير حديث رقم 6943 والمعجم الأوسط حديث رقم 861 وأخرجهـ الهيثمي في المجمع وأشار إلي صحته فقال بعد إيراده له (رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال الجميع رجال الصحيح، المجمع ... ج 4 كتاب الوصابا ص 273 باب فيمن تصرف في ماله بأكثر من الثلث حديث رقم 7083 - 7084.
(3) ... أى: قاربته وأشرفت عليه.
(4) ... الحديث رواه البخاري ج 1 كتاب الإيمان حديث رقم 56 باب ما جاء (إن الأعمال بالنيات) ، وكتاب الجنائز حديث رقم 1295 وفى كتاب مناقب الأنصار برقم 3936 وأخرجه مسلم ح 11 كتاب الوصايا باب الوصية بالثلث حديث رقم 4185 وأبو داود في السنن برقم 2864 والنسائي في السنن برقم 3628 والترمذي برقم 2116 وابن ماجه برقم 2708.