الفرع الثاني
لقد وصف الله تعالى عصى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بصفتين مختلفتين فوصفها بالذكورية في قوله: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌّ} [1] ووصفها بالأنوثة في قوله: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌّ تَسْعَى} [2] فكيف مرة يصفها بأنها ثعبان ذكر ومرة يصفها بأنها انقلبت إلى حية أنثى؟ أليس هذا من الاختلاف أن يوصف الشيء الواحد بصفتين متناقضتين وهو شيء واحد؟
الجواب:- لا, بل هما آيتان متفقتان كل الاتفاق ومؤتلفتان غاية الائتلاف بل بعضها يصدق بعضًا ويؤيد بعضها بعضًا وبيان ذلك أن يقال:- إن العرب في تعبيرهم عن الشيء الواحد إما أن يعبروا عنه بجنسه وإما أن يعبروا عنه بنوعه, والتعبير عن الشيء الواحد بجنسه تارة وبنوعه تارة أخرى ليس من الاختلاف أبدًا ولا طرفة عين والقرآن نزل باللغة العربية وليس المراد بألفاظها فقط بل وأساليبها أيضًا, فلو أنك اشتريت تمرًا فقيل لك ماذا اشتريت؟ فقلت اشتريت تمرًا فهذا نسميه تعبير بجنس المشترى, فلو سُئلت مرة أخرى ماذا اشتريت؟ فقلت اشتريت عجوة, فهذا تعبير بنوع المشتري ذلك لأن التمر جنس يدخل تحته أنواع كثيرة فهل تعبيرك الأول يتنافر مع تعبيرك الثاني؟ الجواب: لا لأنك عبرت عن الذي اشتريت بتعبيرين:- تعبير عنه بجنسه وتعبير عنه بنوعه والتعبير عن الشيء الواحد بجنسه تارة وبنوعه تارة ليس من الاختلاف في شيء, وهكذا هنا, فإن الله تعالى عبر عن العصى بالجنس تارة وبالنوع تارة أخرى, فلما قال جلّ وعلا: ... {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌّ تَسْعَى} عبر عنها بالجنس لأن الحية اسم جنس يدخل تحته
(1) سورة الشعراء آية (32)
(2) سورة طه آية (20)