الصفحة 7 من 28

ثم لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - صار الناس كذلك على هذه الأحوال، وصار الذين أسلموا وآمنوا ليسوا مرتبة واحدة كذلك، وإن كان هذا وُجِد من ابتداء الحال في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن بَانَ أثرُه وبانت حاله أكثر بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخول الناس في الإسلام من مسلمة الفتوح، فتوح عمر -رضي الله تعالى عنه-، وفتوح أبي بكر التي ابتدأها في خلافته وأتمَّها عمر، وما بعد ذلك من فتوحات المسلمين، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهؤلاء أهل الإسلام يجمعهم قول الله -سبحانه وتعالى-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] ، فليسوا مرتبة واحدة؛ ففيهم الظالم لنفسه بالمعاصي والتقصير ونقص الاتباع والاقتداء والمعرفة، ومنهم المقتصِد، ومنهم السَّابق بالخيرات، لكن هذه الأصناف الثلاثة مُباينة لأهل الكفر والنفاق.

ولما نظر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسائل من الشريعة اختلفوا في مقامٍ وأجمعوا في مقام، ولم يظهر فيهم مَن يُنازع في أصلٍ من أصول الهدي في المأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء تحقيقه وبيانه وإحكامه في كتاب الله -سبحانه وتعالى-، وإنما اختلف الصحابة في مسائل من فروع الشريعة، واختلافهم في هذا محفوظ في أبواب من العبادات والمعاملات والعقود وأنواع التصرفات، كالاختلاف المحفوظ عنهم في مسائل من الطهارة أو مسائل من الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو أحكام المعاملات أو أحكام النكاح أو أحكام الجراحات والدِّيات وغير ذلك، فهذا فيه مادة محفوظة عن الصحابة من الاتفاق والاختلاف.

ولكن لم يختلفوا في أصول الشريعة، وأصول الشريعة لا تختص بالإيمان بالغيبيات، بل هذا أحد أصول الشريعة وهو أشرف الأصول وأعظمها؛ الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- وصفاته التي لا يفقه العباد كُنْهَهَا وكيفيَّتها وإن كانوا يعرفون حقيقتها ومعناها، فأشرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت