الصحابي حينما لا يُوجد له مخالف أو لا يُعرف له مخالف، فإن الأقرب أنه يكون من قبيل الحُجَّة البَيانية لا الحجة الرِساليَّة، بمعنى أنه يُبِين لنا ويكشف عن أمرٍ قد خُفيَ علينا من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مقاله أو عمله فهو حجة بيانية، وإلا فالمعصوم هو الوحي.
مثل هذا وما يُعمل به من القياس فيما للقياس فيه مدخل هذا الذي يُعوَّل عليه، أما أن نأتي إلى بعض النصوص ونأخذ ببعض ونترك بعضًا، فإنَّ مثل هذا طريق ناقص يُفضي إلى نتائج غير صحيحة، طريق ناقص في البحث والطَّلب فلا يفضي إلى نتائج صحيحة سليمة يمكن أن تُوصِل إلى مطلوب صحيح.
ثم أيضًا ما ورد عن السلف -رضي الله تعالى عنهم- موافقًا لهذا الأصل -الذي هو الوحي- فإنه لا جدال في قَبوله وتلقّيه، وأما ما نقل عن بعضهم مما نعتقد أنه خالف فيه نصًا لم يبلغه أو تأوَّله أو أخطأ في فهمه وما إلى ذلك وخالفه آخرون، فإنَّ مثل هذا الحجة فيه تكون بالوحي مع حفظ منزلة هؤلاء الأئمة الأعلام فذلك لا يحطُّ من مرتبتهم.
وأمرٌ رابع مما يتصل بهذه القضية هو أنه يجب الاستقراء للمنقولات والمرويات والآثار دون الاجتزاء بقول أو قولين ثم الحكم بعد ذلك أن هذا هو منهج السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-.
الأمر الخامس أن هؤلاء الأئمة لربما قال الواحد منهم الكلمة في مقام الرد أو في مقام التحذير ولم يكن ذلك في مقام التَّقرير أو التَّنظير وفرقٌ بين المقامين، فينبغي أن نعرف السِّياق الذي قِيل فيه الكلام والمناسبة، فإن المناسبة في هذا مثل مناسبة ورود الحديث أو أسباب النزول فإن هذه المناسبة التي قِيلت فيها هذهِ المقالة لبعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- هي بغاية الأهمية من أجل أن نفهمَ هذا القول أو هذه الرواية وأن نُنزِّلها تنزيلًا صحيحًا، أما التعجُّل وخطف بعض الروايات ثم التَّلويح بها في كل مناسبة أن هذا هو منهج السلف ومن خالفه فقد خالفهم؛ هذه العجلة غير محمودة، وهذا لا يمكن أن يمثّل منهج السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-.