فهذا العلم بالوحي هو الذي جعل الثلة من قوم قارون يحصل عندهم الفرقان ولا يلتبس عليهم الحق بالباطل , فعلموا أن ثواب الله خير لمن آمن من متاع هذه الحياة الدنيا.
وما ضل من ضل من الناس إلا لتضييعه فرقان الله وذلك بجهله المذموم بالله وشرعه وبعده عن نور النبوة والرسالة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم , فهاهم النصارى من أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم أنصار الله وأتباع المسيح عليه السلام وصفوة الخلق وأهل الجنة , قد ضلّوا ضلالا مبينا وعبدوا المسيح عيسى بن مريم مع أنهم أُمروا أن يعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون , قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ... وقال: {َّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} ، وفي قوله: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... } دلالة واضحة على أنه قد أقيمت عليهم الحجة بإقامة الأدلة والبراهين على بطلان عقيدتهم ومع ذلك لم يؤتهم الله البصيرة وكانوا من الضالين الذين أضاعوا فرقان الله.
وقريب منهم كفار مكة الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرون بفطرهم أن الله واحد لاشريك له وهو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، ومع ذلك يناقضون أنفسهم فقال الله عنهم: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ، فمع أن الحق ظاهر معلوم لديهم إلا أن الهوى قد حال بين الحق والفطرة، وصاحب الهوى فاقد