بسم الله الرحمن الرحيم
شرع الإسلام التداوي حفظًا للنفس من الهلاك، و دفعًا للأذى و المشقة و الحرج عن الناس، و تعتبر الجراحة الطبية من أنواع التداوي المأذون به شرعًا، ففي كثير من الأحيان لا تنفع الأدوية، و يكون الإجراء الجراحي محتمًا لإنقاذ حياة المريض أو لدفع المؤذيات و المشقة عنه، و يدخل في باب الجراحة لدفع الحرج و المشقة عن المكلفين جراحات التجميل التكميلية أو التعويضية، التي يقصد من ورائها إصلاح تشويه أو تقويم عضو أو تعديله دفعًا لألم حسي أو معنوي عن المريض، و كان هذا هو الهدف الأول لإجراء العمليات التجميلية التي مارسها الأطباء المسلمون القدماء مثل: الرازي و الزهري و غيرهما، فقدمت تلك العمليات خدمة كبيرة للإنسانية لمساعدة المرضى على تخطي العقبات الناتجه عن التشوهات الخِلقية أو المكتسبة.
و في هذا العصر بدأت العمليات التجميلية تتخذ مسارًا آخر فغدت تأخذ طابع تغيير خلق الله، و العبث بالخلقة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها، و أصبحت وسيلة من وسائل الإغراء و إثارة الغرائز و الشهوات، و دعم هذا الاتجاه الكثير من وسائل الإعلام من خلال الدعايات المبهرجة، فادعت تلك الوسائل أنه أصبح بالإمكان تقديم جمال حسب الطلب بمشرط الجراح، و تحويل السمين (غصن بان) من خلال عمليات مضمونة النتائج -حسب ادعائهم -، وأدخلوا ذلك تحت مسمى: فن النحت البشري، فغدت عمليات التجميل تجارة بضاعتها أجساد ووجوه الآدميين، تُُقص و تُقطع و تُشذب و يُعاد تشكيلها و كأنها قطع قماش تُباع و تُشترى.
وبعد أن كانت مثل تلك العمليات تُجرى للفنانين و الفنانات و نجوم السينما فقط، أصبحت بلاءً يجتاح العالم الإسلامي و غيره، فتشير الإحصائيات الجديدة إلى أن عمليات التجميل زادت في العالم العربي خلال العام الماضي: من 380 ألف عملية إلى 650 ألف عملية تجميلية، و تؤكد دراسة أخرى أن حجم الإنفاق السنوي للنساء العربيات على أدوات الزينة و التجميل و عملياته يزيد عن ثمانية مليارات دولار سنويًا، و أن سوق مستحضرات التجميل في المنطقة العربية حقق زيادة تصل إلى 300% خلال الأعوام الثلاثة الماضية، و تشير دراسة أخرى إلى أن ما تنفقه المرأة في العالم على أدوات الزينة و عمليات التجميل و التخسيس في العام الماضي وصل إلى 160 مليار دولارًا [1] .
وأمام هذا التيار الذي يجتاح العالم الإسلامي وغيره من التجمعات البشرية، والذي يستنزف موارد الأمة، ويجعل منها أمة فارغة المحتوى تلهث وراء جمال الشكل بعيدًا عن المضمون والخُلق والعمل الصالح، كان لا بد من وقفة جادة من قبل علمائنا وفقهائنا لمواجهة هذا التحدي الخطير الذي تواجهه الأمة، ومن هنا فقد جاءت هذه الدراسة لتسليط الضوء على الأحكام الشرعية المتعلقة بعمليات التجميل وتحرير المسائل المتعلقة بها.
(1) ... جريدة الخليج: صفحة الدين و الحياة، الجمعة:14 جمادى الآخره، 29 يونيو 2007 م: مقاله بعنوان: عمليات التجميل هوس يجتاح العالم الإسلامي.