تقديم
يعرض هذا البحث نصّا نفيسا لم يحظ بعدُ بالنشر من كتاب الكافي في فقه أهل المدينة لحافظ الأندلس الكبير أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري (ت 463 هـ) ، ومن المعلوم لدى الباحثين المهتمين أن كتاب الكافي لابن عبد البر مطبوع طبع لأول مرة في مجلدين بتحقيق الدكتور محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني سنة 1398 هـ، وكان قد نال به شهادة الدكتوراه في الفقه الإسلامي مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة الأزهر، ثم صدرت طبعته الثانية سنة 1400 هـ، وبعد ذلك انتشرت طبعة أخرى للكتاب في مجلد واحد صدرت عن دار الكتب العلمية ببيروت، وهي مسروقة من الطبعة السالفة.
وهذا النص يتضمن ذكر أسانيد الإمام ابن عبد البر التي يملك بها حق رواية المصادر التي اعتمد عليها في تأليف كتابه الكافي في فقه أهل المدينة، واهتمام ابن عبد البر بإثبات أسانيده إلى هذه المصادر يعكس دقة منهجه في النقل عن المصادر، ويوضح منهج توثيق النصوص عند علماء المسلمين الذي يقوم على التوثق من نسبة الكتب إلى أصحابها وعلى العناية بتحملها بأحد طرق التحمل الثمانية المعتبرة عند المحدثين، وهي: السماع من لفظ الشيخ، ثم القراءة عليه أو العرض، ثم الإجازة، ثم المناولة، ثم المكاتبة، ثم الإعلام للطالب بأن الكتاب من روايته، ثم الوصية بالكتب، ثم الوجادة أو الوقوف على خط الراوي، لذلك صار الإسناد شعارا لعلماء الإسلام على التزامهم الأمانة العلمية والدقة والتحري في نقل النصوص؛ قال الإمام عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ) : (( الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) )، وقال الإمام أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (ت 498 هـ) تلميذ ابن عبد البر:"خصّ الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب".
وليس ابن عبد البر هو الوحيد الذي أورد أسانيده إلى مصادره في نهاية تأليفه، فعدد من الأئمة ساروا على هذا النهج قبله وبعده، منهم الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي في كتاب العلل وهو آخر كتاب من الكتب التي تضمنها جامعه، فقد ساق أسانيده إلى المصادر التي استقى منها مذاهب الفقهاء واختياراتهم، وكذلك أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحاج التجيبي القرطبي (ت 529 هـ) في خاتمة كتابه المناسك، وهو مخطوط بخزانة جامع ابن يوسف بمراكش برقم:152، وأبوالقاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي (ت 619 هـ) في نهاية كتاب لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور رفعت فوزي في ثلاثة مجلدات، وصدر عن دار البشائر الإسلامية ببيروت عام 1418 هـ. ويمكن اعتبار هذه الأسانيد الواردة في نهاية بعض التآليف فهرسة جزئية؛ يقتصر فيها المؤلف على ذكر أسانيده إلى مصادره في كتاب معين، خلافا للفهرسة الجامعة التي يسوق