فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 94

تفرق بين كونه في الآداب أو في الأحكام، فقوله جل وعلا {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [1] عام لأنه نكرة في سياق الشرط يَعُمُّ جميع الأبواب، والأصل أن الألفاظ العامة أن تُحْمَل على عمومها، ولا يصح تخصيصها إلا بدليل، ويدل على ذلك أن الأحكام الشرعية متضمنة للآداب والآداب أحكام، فما من حكم إلا وهو أدب، فالوجوب فيه أدب، التحريم فيه أدب، وهكذا الآداب فيها أحكام، ويدل على ذلك أن من فَرَّقَ بين باب الأحكام والآداب لم يجعل لنا ضابطا دقيقا نستطيع التفريق فيه بين الآداب والأحكام، فمتى تقول عن الأمر بأنه في الآداب؛ ومتى تستطيع أن تقول عن الأمر أنه في الأحكام، والشريعة لا تبني أحكامها على قواعد غير منضبطة لا تُعْرَفُ حدودُها ومعالمها، ويدل على ذلك أنه لو فتح هذا الباب لوجد المريدون التخفف من أحكام الشريعة مساغا لهم في هذا الباب بحيث إذا أُوْرِدَ عليهم أي أمر قالوا: هذا أمر فيه أدب، وبالتالي لا تلزمنا به، ومن هنا نعلم أن الأصل في الأوامر أن تكوت للوجوب وأن النواهي تكون للتحريم ولا تُصْرَفُ إلا بدليل، وأما ما ذُكِرَ من بعض المسائل التي صُرِفَ فيها الأوامر من الوجوب إلى الندب؛ فهذا لوجود قرائن مُحْتَفَّة بها، ومن تلك القرائن الإجماع، فإن الإجماع يدل على وجود قرينة تصرف هذه الأوامر عن مقتضاها من الوجوب.

ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى متعلقة بتفسير الألفاظ؛ وذلك أن كثيرا من أهل العلم يُقَسِّمُ الكلام إلى نوعين: حقيقة ومجاز، والحقيقة يراد بها استعمال اللفظ في المعنى الذي وُضِعَ له، وبعضهم يقول: اللفظ المستعمل في ما وضع له، ويقابل الحقيقة: المجاز، والمراد به استعمال اللفظ في معنى آخر مغاير للمعنى الذي وضع اللفظ له، أو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ومن أمثلة هذا لفظة الأسد، فإنها مرة تستخدم ويراد بها الحيوان المفترس فهذا هو الأصل وهو الحقيقة؛ لأن العرب قد وضعوا هذا اللفظ - الأسد - للدلالة على الحيوان المفترس، لكنهم في مرات يستعملونه في غير هذا المعنى فيقولون: رأيت أسدا

(1) الأحزاب: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت