الصفحة 12 من 53

من الحاكم أن يصيب عين اليقين في كل مسألة من مسائل الحكم والقضاء والإفتاء، بل المطلوب الاجتهاد وبذل وسعه وما آتاه الله من قوة الفهم والعلم لمعرفة الحق فإذا غلب على ظنه بعد النظر في القرائن أن الحكم كذا وكذا، فهذا كافٍ وهو مأجور على ذلك مما يدل على أن العمل بغلبة الظن كافية في التعبد وغيره إذ لو يطلب منه الحكم باليقين القاطع لما استحق مع خطأه الأجر، فلما استحقه مع الخطأ دل ذلك على أن عمله هذا معتبر شرعًا وهو إنما عمل بما يغلب على ظنه وحكم بالذي أداه إليه اجتهاده، وذلك لأن حكم الحاكم مبني على سماع الشهادة والنظر في قرائن الأحوال المصاحبة للواقعة، هذا كله إنما يفيد غلبة الظن في كثير من الوقائع والقضايا.

ومن الأدلة أيضًا: - ما في الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من نار"وهذا يوضح الدليل قبله فإن بعض الناس يكون لبقًا في حجته وعنده فصاحة في ترتيب البينة وتصفيف الكلام والظهور بمظهر المظلوم، والقاضي بين الناس لا يعلم الغيب ولا ما في السرائر وإنما له الظاهر فقط، فإذا غلب على ظنه صحة دعوى أحد الخصمين بعد النظر والتروي فليحكم بذلك ولا يكلف شرعًا بأكثر من ذلك، ولكن هذا الحكم الصادر من إنما هو عن غلبة ظن بصدق الدعوى ولا يقطع الحاكم قطعًا مؤكدًا في كل أحكامه الصادرة منه أنه اليقين الموافق للحق بلا احتمالٍ آخر، وهذا هو العمل بغلبة الظن، بل ذلك يصدر حتى منه صلى الله عليه وسلم بنص هذا الحديث، ولكن هذا الحكم لا يغير من الحق في الباطل شيئًا إن كان وقع مخالفًا لما هو الحق، فبين هذا الحديث أن الأحكام التي تصدر من الحكام إنما هي عن غلبة الظن فل يفرح المحكوم له بحق أخيه بهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت