القلوب من وضر الاحقاد.،وقد تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين) [1] . و النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سلم ذات يوم ووجد رجلين معتزلين لم يصليا، قال: علي بهما". فجيء بهما ترعد فرائصهما. قال: ما منعكما أن تصليا معنا؟". فقالا: يا رسول الله: قد صلينا في رحالنا [2] . قال:"فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" [3] فقد أمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصليا مع الناس وإن كانا قد صليا في رحالهما؛ لئلا يحصل التفرق، وقال: (إنها لكما نافلة) .فكيف بمن يقيم جماعة أخرى تضار بالجماعة المقامة قبلها؟ وقال ابن العربي في مضار تعدد الجماعة في وقت واحد: (فيه تشتيت للكلمة، وإبطال لحكمة تأليف القلوب، وجمع الكلمة على الطاعة، وعقد الذمام، والأنس بالمخالطة، وذريعة لوقوع الخلاف وبطلان النظام) [4] وقال ابن عابدين الحنفي: (وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الائمة والجماعات) [5] .
فصل: أسباب قيام تعدد الجماعة في وقت واحد:
بعض الناس عندما يأتون المسجد لصلاة الجماعة، ويجدون الجماعة الأولى قد صليت، ويجدون شخصا يصلي ما فاته فمنهم من يقتدي به إماما ومنهم من يقيم جماعة أخرى، وبهذا يكون بالمسجد جماعتين في نفس الوقت، وقد يأتي شخص مع شخص آخر بعدما صليت الجماعة فلا يلتفتا يمينا ويسارا كي يرا هل أحد أقام جماعة أخرى أم لا؟ بل يصليا جماعة، وقد تكون هناك جماعة أخرى مقامة، وبهذا يكون بالمسجد جماعتين في نفس الوقت، وبعض الناس يأتون في التشهد الآخير، وهم يعلمون أن إدراك فضل الجماعة إنما يحصل بإدراك ركعة [6] فيقيمون جماعة أخرى ومازالت الجماعة الأولى في التشهد، و في صلاة التراويح قد يأتي بعض الناس إلى المسجد، وهم لم يصلوا العشاء، ويجدون الجماعة في صلاة التراويح فيقيمون جماعة أخرى، وبهذا يكون بالمسجد جماعتين في نفس الوقت.
فصل: السبيل إلى إقامة جماعة واحدة بالمسجد بدلا من تعدد الجماعة:
الواجب على من دخلوا المسجد لصلاة الفريضة ووجدوا ناسًا يصلون أن يصلوا معهم، ولا يجوز لهم أن يقيموا جماعة أخرى إلى جانب الجماعة الأولى فالاجتماع مطلوب والتفرق منهي عنه، ومن جاءوا بعدما تمت صلاة الجماعة فيلتفتوا بمينا ويسارا قبل أن يقيموا جماعة خوفا من أن تكون هناك جماعة مقامة وهم لم يروها، ومن جاء و الأمام في التشهد الأخير ومعه جماعة لا يبدءوا بالصلاة حتى تتم الجماعة الأولى الصلاة، ومن أتوا لصلاة العشاء، والناس في صلاة التراويح فليدخلوا في صلاة التراويح بنية العشاء وبعد صلاة الإمام الركعتين ليأتوا ما بقي لهم من صلاة العشاء، وقد ثبت في السنة مشروعية اقتداء المفترض بالمتنفل فعن جابر أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع فيؤم
(1) - تفسير القرطبي للآية رقم 107 من سورة التوبة
(2) - رِحَالنَا جَمْع رَحْل بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُهْمَلَة هُوَ الْمَنْزِل وَيُطْلَق عَلَى غَيْره وَلَكِنَّ الْمُرَاد هُنَا الْمَنْزِل
(3) - صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود رقم 575، ورواه الترمذي رقم 219، ورواه النسائي في سننه رقم 858
(4) - أحكام القرآن لابن العربي (3/ 1013)
(5) - حاشية رد المحتار لابن عابدين (1/ 407) دار الفكر 1415 هـ 1995 م
(6) - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري في صحيحه رقم 580،ورواه مسلم في صحيحه رقم 607