الصفحة 1 من 3

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين، و على من أتبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فتعدد الجماعة بالمسجد في وقت واحد لا يجوز شرعا؛ لأن الاجتماع مطلوب شرعا والتفرق منهي عنه لكن بعض الناس قد تساهلوا في ذلك، تجد شخصا يأتي مع شخص آخر بعدما صليت الجماعة فلا يلتفتا يمينا ويسارا كي يرا هل أحد أقام جماعة أخرى أم لا؟ بل يصليا جماعة، وهذا منهي عنه نسأل الله الهداية والتوفيق.

فصل: النهي عن إقامة جماعتين في نفس الوقت:

صلاة الجماعة من أبرز مظاهر الاجتماع والألفة والتراحم والمساواة بين المسلمين، وإذا أقيمت جماعتين في وقت واحد فسوف يكون هذا مظهرا من مظاهر التفرق، ومعلوم شرعا أن التفرق مذموم قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا} [1] وقد قال الله في شأن مسجد الضرار: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [2] قال الإمام البغوي: نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين، بنوا مسجدا يضارُّون به مسجد قباء [3] ا. هـ، وقصة نزول هذه الآيات أنه كان رجل في المدينة اسمه أبو عامر الراهب تنصّر في الجاهلية وقرأ التوراة. وكان له شرف كبير بين قومه من الأوس والخزرج، فلما قدِم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة دعاه إلى الله وقرأ عليه القرآن، فأبى أبو عامرٍ أن يُسلم وتمرَّد، فدعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يموت، و لما رأى أبو عامر ظهور الإسلام هربَ إلى هِرَقْلَ ملكِ الروم يستنصره. فوعده هذا وأقام أبو عامر عنده، وكتب إلى جماعة من أهل النفاق في قومه يعدُهم بأنه سيقدم بجيشٍ يقاتل به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم أن يتخذوا معقِلا يَقْدَم عليهم فيه، ويكون له مرصدا بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجدٍ مجاورٍ لمسجِد قُباء طريدًا، ونالت أبو عامر دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - فماتَ في بلاد الروم.،وقد بنى المنافقون المسجد وفرغوا منه قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، وجاؤوا فسألوه أن يصلّيَ في مسجدهم ليكون ذلك ذريعةً الى غَرِضهم، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية. فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: إنا على سَفرٍ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله، وقبل أن يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في رجوعه من تبوك نزلت عليه هذه الايات، فبعثَ بعضَ أصحابه وأمرهم أن يهِدموا ذلك المسجدَ، ففعلوا، ويستفاد من هذه الآيات أن أي مسجد بُني للإِضرار المسلمين والتفرقة بينهم فالواجب هدمه وتحرم الصلاة فيه. فقد أخبر الله أن باعث المنافقين على بناء هذا المسجد الضرار لغيرهم، و الكفر بالله و التفريق بين المؤمنين؛ لأنهم أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء، فتقلّ جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى و أيضا بنوا المسجد للإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله فعلم من هذا أن إقامة جماعتين في آن واحد لايجوز؛ لأنه كلما كثر عدد المصلين جماعة فهو أفضل عند الله، وإقامة جماعة أخرى تؤدي إلى تقليل عدد المصلين في الجماعة التي أقيمت أولا فهذا إضرار بالجماعة المقامة أولا. قال القرطبي: (و قوله تعالى: {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يدلك على أن المقصد الاكبر والغرض الاظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الانس بالمخالطة، وتصفو

(1) - سورة آل عمران من الآية 103

(2) - سورة التوبة: الآية 107

(3) - تفسير البغوي للآية رقم 107 من سورة التوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت