طين، وأطاعوا أبا جهل، ثم ذكر الناظم ما كان من آراء خصوصًا تلك الآراء الصادرة عن بعض المشركين من أهل الرأي، فقال:
(لو طاوعوا عتبة أو حكيما = أو ابن وهبٍ مارأوا أليمًا)
بل قال قبل ذلك ما أشار به الحُباب بن المنذر - رضي الله عنه - في أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابهُ بالنزول بمنزلٍ رآه، فأتاه الحُباب بن المنذر - رضي الله عنه - وقال له:"يا رسول الله أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّم عنه أو أن نتأخّر أم هو الرأي والحربُ والمكيدة؟"، فقال له:"بل هو الرأي والحربُ والمكيدة"، فقال له:"يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، فسر بنا حتى ننزل أدنى المياه فنغور ما دون ذلك من الماء فنشرب ولا يشرب الأعداء"، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أشرت بالرأي"، فغَوّروا ما دون ذلك من المياه"أي: جعلوها غائرةً وردموها بالتراب، وحفروا قليبًا، والقليب: تُقال للبئر، وملؤوه من الماء فأصبحوا يشربون ولا يشرب الأعداء، ولذلك أحد عتاة المشركين أقسم أن يشرب من ذلك القليب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتركه وقال لهم حمزة:"إن قدم إلينا قتلناه بالسيف"، فخرج حتى اقترب من ذلك القليب، فعمد إليه حمزة بن عبد المطلب وضربه حتى أرداهُ صريعًا، فوجدوا كثير عطش واشتد عليهم الأمر، وظهر هذا الرأيُ جليًّا، وبان للنّاس صوابه في ذلك اليوم، وهذا المثال يبين لنا فرقا مهمًّا فيما يتعلّق بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو فيما يتعلّق بأمر الرسالة وما يتعلّق بأمر الإمامة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالإمامة يجتهد فيرى الرأي ولا يلزم من ذلك الإنقيادُ والإستسلام له فيه؛ لأنه رأي، ولأنّه إنّما يجب الإنقياد والإستسلام للوحي، مع أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، ولكن قد يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الرأي ويرى الصحابة غيره، فيأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - برأي الصحابة، كما وقع هاهنا وكما سنرى - بإذن الله سبحانه وتعالى - أيضًا أنّه"