عوهد عليه الكفار، لإبراء ذمتهم أمام الله ثم المسلمين.
ويجب عليهم أن يظهروا له، أنهم لن يفتوا بشرعية هذه المعاهدات، إلا وفق هذه الخطوات، وعليه إن أبى الانصياع لهذه الشروط، أن يمضي في معاهداته ـ بسخط الله ـ عريّة عن حكم الشريعة، بهذا تبرأ ذمة العلماء، أن يقولوا على الله مالا يعلمون.
والعجب أن الكفار أنفسهم يطالبون ـ في الظاهر ـ اليوم أنظمتنا الحاكمة أن تسمح للشعوب بالمشاركة في الحكم، وأن تراقب أداء الدولة، وأن الدول الكافرة نفسها، تعطي لشعوبها الحق في أن تراقب التزام حكامهم بمعاهداتهم، وتعرضها بلا خفاء على مجالس (البرلمان) لديهم، ويناقشون ما فيها من صغير وكبير، ويتأكدون من موافقتها لقوانينهم، وإذا حادت الدولة في التطبيق ردوها إلى الصواب، وقسروها عليه!!، بينما نحن لايتجرأ العلماء أن يطلبوا النظر إلى المعاهدات التي تعقدها الدولة مع الكفار.
فكأن واقع حالنا، أن الزعيم هنا في بلادنا يقول: إنني قد أبرمت معاهدة مع الكفار، فأفتوا بجوازها ولزوم احترامها على الرعيّة.
فيقول البعض: فهي إذن يا مولانا معاهدة شرعية، واجبة الاتباع على كل الرعية، ولا حاجة لنا أن نراها، ولا حاجة لنا أن نسأل عن موافقة ما فيها من شروط للشريعة، و لاحاجة أيضا أن نتأكد من عدم الحياد عن الشريعة في تطبيقها في الواقع، بل هي معاهدة شرعية لان هذا ما يريده مولانا فله ما يريد!!!.
فهذه والله المصيبة العظمى، والباقعة الكبرى، أعني أن يصل الحال بعلماء الشريعة أن تهون عليهم أنفسهم، وتهون عليهم شريعة ربهم إلى هذه الدرجة، حتى تصبح كم يقال (توقيع على بياض) ، فإلى الله المشتكى مما آلت إليه حال هذه الشريعة العلية، وعلماءها.
الثالث من الأمور التي يجب أن تستصحب قبل الكلام على المعاهدات الدولية:
أن الحاكم إذا لم يكن حاله أنه يجعل الشريعة الإسلامية أصلا يرجع إليه، ويتحاكم إليه تحاكما مطلقا فيما يعاهد عليه الكفار، وإنما يأتي بعدما يبرم المعاهدات مع الكفار على أهواءهم التي يراعون فيها قوانينهم، ويحققون أطماعهم، ويريد بعد ذلك من علماء الشريعة، أن يضعوا توقيع رب السموات والأرض رب العالمين، على أحكام الجاهلية، وأهواء الكفار، فإنه لا يوافقه على هذه الجريمة، إلا من هو من أعظم المعينين على الظلم والفساد في الأرض، الساعين إلى تمكين الكفار من استعلاءهم بجاهليتهم، ومن فعل ذلك فهو ممن يشتري بآيات الله ثمنا قليلا، فليس له عند الله من خلاق.