فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 1052

ويقول لو أعلم كلمة تغيظهم أكثر من ذلك لقلتها .. إنها الإرادة الفولاذية التي تستهزيء بالمحن وتنكسر أمامها إرادات الطغاة .. وذاك خباب يلقى على الجمر فيطفئه ودك ظهره ما يرده ذلك عن دينه أو يكسر ثباته، وتلك سمية وهي امرأة ضعيفة لا عشيرة لها ولا قوة يصب عليها من العذاب ما لا يصمد أمامه صناديد الرجال وترى زوجها يعذب حتى القتل وابنها يسام أصناف العذاب حتى تكسر ضلوعه فما يزيدها ذلك إلا إصرارا وثباتا يهزم الطغاة ويفقدهم عقولهم ويخرجهم عن طورهم فيطعنها رأس الكفر بالحربة في موضع عفتها معلنا عن انهزامه أمام هذه المرأة الضعيفة فيما تعلن هي بذلك للدنيا كلها ثباتها وصمودها وانتصار إيمانها على الكفر والطغيان وتلقن العالم كله دروس العز والثبات .. وهذا حبيب بن زيد رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة يثبت في وجه مسيلمة الكذاب وجلادوه يقطعون جسده إربا إربا ما يرده ذلك عن دينه وإيمانه ولا يزعزع ثباته، وغيرهم وغيرهم ممن زينوا تاريخ أمتنا بصمودهم وشموخهم وضربوا لنا أروع أمثلة الثبات حتى الممات متذكرين بذلك ما كان يذكرهم به ويربيهم عليه حبيبنا صلوات الله وسلامه عليه حين كان يقص عليهم أخبار أهل الثبات في أحوالهم تلك المظلمة فيقول:"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"رواه البخاري.

ولقد سجل لنا التاريخ بعد ذلك أمثلة كثيرة من ثبات سلفنا في وجه الطغيان خلدت ذكرهم تأسوا فيها بثبات أولئك الأوائل مستذكرين ومتبعين دوما لحديث نبيهم صلى الله عليه وسلم"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

فهذا سعيد بن جبير يشمخ في وجه جور الحجاج حتى يقتل، وذاك سفيان الثوري وطاووس لايخشون في الله لومة لائم .. والإمام أحمد يصمد أمام المأمون وفتنته ومن سار على نهجه ممن نصروا التجهم والاعتزال فيثبت ثبات الجبال الرواسي على عقيدته فيصير إمام أهل السنة بلا منازع وكان يقول عن تجربته وما حثه على الثبات بين يدي المحنة: ما سمعت كلمة مذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها قال يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدا وإن عشت عشت حميدا؛ فقوّى بها قلبي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت