المبحث الثاني
وفاء القرض وتغير القيمة
من أنْبَل المعاني في قيم القرض وفاؤه، لأنه يتعلق بالذمة ولا يُرفع عن عاتقه إلا بأدائه، أو تنازل المقرض عن حقه. ولو تأملنا حال الشهيد الذي هو أسمى مراتب التضحية وقوام الإسلام نجد أن رب العزة والجلال يغفر للشهيد كل شيء إلا الدَين. لذا فالقرض أصله الوفاء، واجبٌ على المدين أداؤه عالقٌ في ذمته لا يبرأ منه حتى يوَّفيه أو يعفو الدائن عن صاحبه. فأول القرض وجوب الوفاء بالقضاء وآخرته مجازاة صاحب القرض بالحسنى لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( .. إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ [1] وذلك مجازاته.
وقيمة الشيء متغيرة من زمن إلى آخر في كثير من الأمور نتيجة التفاوت في الأذواق، وقِدم الشيء، أو ندرته وإلى ما هنالك من أمور يستوجب النظر فيها عند إيفائها، فكيف الحال إذا كان القرض في الأوراق النقدية (البنكنوت Banknote) [2] المتقلِّبة في كثير من بلدان العالم لأسباب سياسية واقتصادية فيصل الحال إلى فقدان ثمنيتها وإبطال قيميتها وضياع مثليتها؟ لقد أعطى الفقه الإسلامي أهمية لمثل هذه التقلبات عند بيان الحكم الشرعي للموازنة بين المصالح والمفاسد والرجوع إلى أصول الشريعة ومقاصدها في توزيع الضرر والخسارة بين طرفي العقد بالعدل في ظروف طارئة استثنائية قاهرة. وهذه التبدلات الظرفية والفوارق الوقتية معتبرة في روح الشريعة ومقاصدها.
ولنلقي بعض الضوء على معنى القرض وأركانه ثم نعرج على تغير القيمة.
فالقرض لغةً: وهو من باب ضَرَبَ [3] ، أي القطع، وسميَّ قرضًا لأنه قطعه من مال المقرِض [4] . واصطلاحًا: هو دفع مالٍ إرفاقًا لمن ينتفع به ويَرُدُّ بدله [5] ، ويسمى نفس المال المدفوع على الوجه
(1) ... سنن ابن ماجه، كتاب الأحكام رقم 2424. سنن النسائي، كتاب البيوع، رقم 4683. مسند الإمام أحمد 15975.
(2) * ... وهي تختلف عن النقود الورقية، إذ الأوراق النقدية قسم من أقسام النقود الورقية.
(3) ... الفيومي، أحمد بن محمد بن علي المقرئ: المصباح المنير (بيروت: مكتبة لبنان، بدون طبعة، 1987 م) ، ص 190.
(4) ... ابن منظور: لسان العرب (بيروت: دار صادر، طبعة 1، 1410 هـ-1990 م) ، ج 7، ص 17. النووي، الإمام محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف: تحرير التنبيه، تحقيق: د. محمد رضوان الدايه، ود. فايز الدايه (بيروت: دار الفكر المعاصر، طبعة 1، 1410 هـ-1990 م) ، ص 15.
(5) ... البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس: كشاف القناع عن متن الإقناع (بيروت: دار الفكر، بدون طبعة، 1402 هـ-1982 م) ، ج 3، ص 312.