أولًا: إن حفظ الكليات الخمس واجب شرعًا عند العلماء ومن ذلك: حفظ النفس بإنقاذ حياة مسلم أو سلامة عضو من أعضائه بنقله من حى أو ميت.
ثانيًا: ويستدل بروح الشريعة وقواعدها العامة التى تقول:"الضرورات تبيح المحظورات"، و"الضرورة تقدر بقدرها"، و"للضرورة أحكام"، و"إذا ضاق الأمر اتسع"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"لا ينكر ارتكاب أخف الضررين".
ثالثًا: ويستدل- كذلك- بما كتبه الفقهاء المتقدمون والمتأخرون في إجازتهم تشريح الميت للكشف عن جريمة قتل أو لمعرفة أسباب مرض ما ليتمكن الأطباء من معالجة ذلك المرض في الأحياء وما إلى ذلك من الصور والأمثلة التى يتحقق فيها الصالح العام أو الخاص للمسلمين؛ فقد أفتى فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة بإجازة تشريح امرأة ميتة لإخراج مولودها الحى من بطنها، أو لإخراج مال ابتلعه الميت إلى غير ذلك من المسائل التى ذكروها في كتبهم المعتمدة، فإذا أجاز العلماء التشريح لإخراج مال ابتلعه الميت وقدر هذا المال بمقدار نصاب قطع يد السارق وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فمن باب أولى أن يجاز التشريح هنا لصيانة نفس، أو لإنقاذ حياة، أو لسلامة عضو، أو كشف لجريمة.
وفيما يلى نصوص الفقهاء في ذلك:
أ. جاء في كتاب رد المحتار على الدر المختار، وهو من كتب الحنفية المعتمدة:"حامل ماتت وولدها حى يضارب- أى في بطنها- يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها، ولو بالعكس وخيف على الأم- أى من الهلاك- قطع- أى الجنين- وأخرج ميتًا، ولو بلع مال غيره ومات هل يشق أم لا؟ قولان: الأول نعم [1] ".
ب. وقد جاء في متن خليل- من كتب المالكية- في كتاب الجنائز قوله:"وبقر عن مال كثر ولو ثبت بالبينة أو بشاهد ويمين"، وقال الخرشى في شرحه والحطاب- آخر كتاب الجنائز-:"البقر عبارة عن شق جوف الميت [2] ، يعنى أن من ابتلع مالا له أو لغيره ثم مات، فإنه يشق جوفه فيخرج منه إن كان له قدر ذو بال بأن يكون نصابًا، أى كنصاب الزكاة، وقيل كنصاب السرقة- أى ربع دينار-، وهو ما يساوى ثلاثة دراهم، ثم أورد مسألة شق بطن الحامل في هذه الحال، وبقية أئمة المالكية قد أجازوا ذلك."
جـ. وجاء في المهذب في كتاب الجنائز، وهو من كتب الشافعية المعتمدة قوله:"وإن ابتلع الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة [3] ، وقوله: وإن ماتت امرأة وفى جوفها"
(1) ) رد المحتار على الدر المختار 1/ 602.
(2) شرح الخرشى لمختصر خليل 2/ 145، 146.
(3) ) المهذب، كتاب الجنائز 1/ 138 .. وينبه الباحث هنا إلى ما ذكره المغنى في عرض المذاهب الأخرى، وقال ابن قدامة في المغنى 3/ 497، والمذهب أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولده- مسلمة كانت أم ذمية- وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركته .. ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا، ويحتمل شق بطن الأم إن غلب على الظن أن الجنين يحيا وهو مذهب الشافعى؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حى، فجاز، كما لو خرج بعضه حيًّا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق؛ ولأنه يشق لإخراج المال منه، فلإبقاء الحى أولى، ولنا أن هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم، وقد نقل محققًا الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركى، والدكتور عبد الفتاح الحلو- طبعة دار عالم الكتب- ذلك القول التالى في ترجيح مذهب الشافعى في هذه المسالة .. ومذهب الشافعى في المسألة أظهر، والعمدة في ترجيح حياة الجنين وعدمها قول ثقات الأطباء، بل ثبت بالفعل، فليس أمرًا موهومًا كما قال المصنف، بناء على تجربة ناقصة .. المغنى لابن قدامة- طبعة دار عالم الكتب 3/ 498 - .