الفعل صالحًا لأن ينهى عنه الشرع، ولا يقال: إن الحسن والقبح موجبان لحكم الله بالأمر والنهي.
وبنوا عل ذلك: أن حكم الله لا يدرك بدون وساطة رسول وتبليغه، ومن ثم: فلا حكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل أو قبل بلوغ الدعوة، وحيث لا حكم فلا تكليف، وحيث لا تكليف فلا ثواب ولا عقاب.
66 -القول المختار:
والقول الثالث هو الراجح المؤيد بالكتاب وبالعقل، أما الكتاب ففيه آياتٌ كثيرة تدل على ان الله إنما يأمر بما هو حسن و ينهى عما هو قبيح، والحسن والقبح ثابتان للأفعال قبل الأمر والنهي، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90 [وقوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] الأعراف 157[فما أمر به الشارع من عدل وإحسان و معروف، وما نهاهم عنه من فحشاء ومنكر وبغي، وما أحل لهم من طيبات، وما حرم عليهم من خبائث، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة: كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها، ما يدل على أن للأفعال حسنًا و قبحًا ذاتيين.
و العقل يدرك حسن بعض الأفعال و قبح البعض الآخر بالضرورة: كحسن العدل و الصدق، و قبح الظلم و الكذب، و لكن حكم الله لا يعرف إلا عن طريق الرسول، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم الله، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ]الإسراء: 15 [فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة، و حيث لا عذاب فلا تكليف، و حيث لا تكليف فلا حكم لله في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما.
و ما أحسن كلمة الإمام الشوكاني، إذ يقول: (( و إنكار مجرد إدراك العقل لكون
الفعل حسنًا أو قبيحًا مكابرة و مباهته .. ، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقًا للثواب، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقًا للعقاب فغير مسلمٍ، وغاية ما تدركه العقول: أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا و بين كونه متعلقًا للثواب والعقاب) (1) .
67 -ثمرة الخلاف:
ويترتب على الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح ما يأتي:
أولًا: من لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل على وجه العموم، فعند المعتزلة: يؤاخذ بفعله، ويحاسب على أعماله، لأن المطلوب منه: فعل ما أدرك العقل حسنه، و ترك ما أدرك العقل قبحه، وهذا هو حكم الله.
وعند الأشعرية و الماتريدية ومن وافقهم: لا حساب ولا ثواب ولا عقاب على من لم تبلغه الدعوة.
ثانيًا: بعد ورود شريعة الإسلام، لا خلاف بين العلماء في أن حكم الله يدرك بواسطة ما جاء عن الله في كتابه، أو ما جاء في سنة نبيه، وكلاهما قام النبي بتبليغه.
ولكن اذا لم يكن في المسألة حكم من الشرع، فإن القائلين بالقول الأول: (( التحسين والتقبيح العقليين ) )، قالوا: بأن العقل يكون مصدرًا للأحكام، بمعنى: أن المسألة التي لم يرد في الشرع حكم لها، يكون حكمها الوجوب إذا أدرك العقل حسنها، ويكون حكمها الحرمة إذا أدرك العقل قبحها، لأن حكم الله مبناه ما في الأفعال من حسن أو قبح، فإذا لم يرد في الشرع حكم لمسألة ما فمعنى ذلك: أن الشارع أذن لنا أن نرجع إلى العقل لنستمد منه الحكم بناء على ما في الفعل من حسن أو قبح. و على رأي أصحاب القول الثاني و الثالث: لا يكون العقل مصدرًا للأحكام و إنما يؤخذ الحكم من مصادر الفقه الثابتة و ليس العقل منها.
(1) الشوكاني ص 8.