وخلاصته: إن في الأفعال حسنًا ذاتيًا، و قبحًا ذاتيًا، وان العقل يستقل بإدراك حسن أو قبح معظم الأفعال بالنظر الى صفات الفعل وما يترتب عليه من نفع أو ضرر، أي مصلحة أو مفسدة.
وأن هذا الإدراك لا يتوقف على وساطة الرسل و تبليغهم، فحسن الفعل أو قبحه أمران عقليان، لا شرعيان، أي لا يتوقف إدراك ذلك على الشرع، وان حكم الله يكون وفق ما أدركته أو تدركه عقولنا من حسن الافعال أو قبحها، فما رآه العقل حسنًا فهو عند الله حسن، ومطلوب من الإنسان فعله، ومع الفعل المدح والثواب ومع المخالفة الذم والعقاب، وما رآه العقل قبيحًا فهو قبيح عند الله ومطلوب من الإنسان تركه، ومع الترك المدح والثواب، و مع الفعل الذم والعقاب.
فأحكام الشرع في نظر أصحاب هذا القول: لا تأتي إلا موافقة لما أدركه العقل من حسن الأفعال أو قبحها، فما أدرك العقل حسنه جاء الشرع بطلب فعله ولا يمكن أن يطلب تركه، وما أدرك العقل قبحه جاء الشرع بطلب تركه ولا يمكن أن يطلب فعله، وما لم يدرك العقل حسنه أو قبحه كما في بعض العبادات و كيفياتها فإن أمر الشارع أو نهيه فيها يكشفان عن حسن أو قبح هذا النوع من الأفعال.
(1) انظر في هذا البحث: (( مرقاة الوصول و حاشية الإزميري ) )ج 1 ص 276 و ما بعدها. (( مسلم الثبوت و شرحه فواتح الرحموت ) )ج 1 ص 25 و ما بعدها، (( المستصفى ) )للغزالي ج 1 ص 55. (( ارشاد الفحول ) )للشوكاني ص 6 و ما بعدها، (( التوضيح و شرحه التلويح ) )ج 1 ص 172 و ما بعدها. و في أصول الجعفريه أنظر: كتاب (( القوانين ) )لأبي القاسم الجيلاني، و كتاب (( الفصول في الأصول ) )تأليف الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم. و كتاب (( تقريرات التائيني ) )ج 2 ص 34 و ما بعدها، و (( الأرائك ) )تأليف الشيخ مهدي ص 130 و ما بعدها.
وبنوا على ذلك: أن الإنسان مكلف قبل بعثة الرسل أو قبل بلوغ الدعوة إليه، إذ عليه أن يفعل ما أدرك العقل حسنه و أن يترك ما أدرك العقل قبحه، لأن هذا هو حكم الله، ومع التكليف المسؤولية والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب.
64 -القول الثاني: قول الأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ومن وافقه من الفقهاء، وهو قول جمهور الأصوليين
وخلاصته: أن العقل لا يستقل بإدراك حكم الله، بل لا بد من وساطة الرسول و تبليغه، فليس في الأفعال حسن ذاتي يوجب على الله أن يأمر به، كما ليس في الأفعال قبح ذاتي يوجب على الله أن ينهى عنه، فإرادة الله مطلقة لا يقيدها شيء، فالحسن ما جاء الشارع بطلب فعله، والقبيح ما جاء الشارع بطلب تركه، فليس للفعل قبل أمر الشارع ونهيه حسن ولا قبح، و الفعل وإنما يصير حسنًا لأمر الشارع به لا لذات الفعل، و يصير قبيحًا لنهي الشارع عنه لا لذات الفعل، فالأفعال تستمد حسنها وقبحها من أمر الشارع ونهيه لا من حسن أو قبح في ذواتها.
وبنوا على ذلك: أن لا حكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل، فما لم يأت رسول يبلغ أحكام الله للعباد لا يثبت لأفعالهم حكم، فلا يجب عليهم شيء ولا يحرم عليهم فعل. و حيث لا حكم فلا تكليف، و حيث لا تكليف فلا حساب و لا مدح و لا ثواب و لا ذم و لا عقاب.
56 -القول الثالث: و هو قول أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي، و هو ما ذهب إليه محققوا الحنفية و بعض الأصوليين، و هو قول فريق من الجعفرية و غيرهم.
و خلاصة هذا القول: أن للأفعال حسنًا و قبحًا، يستطيع العقل إدراكها في معظم الأفعال بناء على ما في الفعل من صفات، و ما يترتب عليه من مصالح و مفاسد، و لكن لا يلزم من كون الفعل حسنًا حسب إدراك العقل أن يأمر به الشرع، و لا يلزم من كون الفعل قبيحًا أن ينهى عنه الشرع، لأن العقول مهما نضجت فهي قاصرة، و مهما اتسعت فهي ناقصة.
وعلى هذا فكل ما يمكن أن يقال: هو أن ما في الفعل من حسن يدركه العقل
يجعل الفعل صالحًا لأن يأمر به الشرع، وأن ما في الفعل من قبح يدركه العقل يجعل