فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 243

294 -العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (1) :

اشتهر على ألسنة الأصوليين والفقهاء. قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السيب ... ويريدون بهذه العبارة، أن العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص كسؤال أو واقعة معينة. فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام، وليست العبرة بالأسباب التي دعت الى مجيء هذه النصوص. فإذا جاء النص بصيغة عامة لزم العمل بعمومه، دون التفات إلى السبب الذي جاء النص العام من أجله، سؤالًا كان هذا السبب أو واقعة حدثت، لأن مجيء النص بصيغة العموم، يعني أن الشارع أراد أن يكون حكمه عامًا لا خاصًا بسببه. وهذا مذهب الحنابلة والحنفية وغيرهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

أولًا: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من

الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . فقوله: (( الطهور ماؤه ) )عام حال السعة والاضطرار، ولا عبرة

بخصوص السؤال وهو السؤال عن التوضيء به لحاجة السائل إلى الماء الذي يحمله، كما أن الحكم لا يختص بالسائل، بل يعم الجميع.

ثانيا ً: إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة، فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به )) وفي رواية اخرى: قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أيما إهاب دبغ فقد طهره ) )فقول

النبي صلى الله عليه وسلم

1 - (( المسودة ) )ص 130، (( إرشاد الفحول ) )ص 117 - 118.

جاء عامًا لا خاصًا بالشاة الميتة التي رآها، ولا بجلد الشاة الميتة دون غيرها، فيشمل كل جلد من حيث طهارته بالدباغة.

ثالثًا: جاء في السنة أن امرأة سعد بن الربيع جاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت

له: هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل ابوهما معك في أحد، وقد أخذ معهما مالهما ..

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعم البنتين: أعط البنتين الثلثين، والزوجة الثمن، ومابقي فهو لك.

فهذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة. لا يختص بتلك الواقعة. بل يعم جميع

الناس في مثل هذه الواقعة، ولا عبرة بكون أن أبا البنتين قتل في سبيل الله، أو أن البنتين لا مال لهما.

رابعًا: آية اللعان وإن نزلت بسبب واقعة معينة، هي قذف هلال بن أمية زوجته. إلا أنها عامة في جميع الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم.

وهكذا فكل عام ورد لسبب خاص من سؤال أو حادثة، فإنه يعمل بعمومه ولا عبرة بخصوص سببه، لأنه كما قال الإمام الشافعي: السبب لا يصنع شيئأ إنما تصنع الألفاظ، وهكذا كان يفعل فقهاء المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي العصور التي تلته دون إنكار فكان إجماعًا.

ومن الجدير بالتنويه: أن أكثر عمومات القرآن والسنة جاءت بسبب أسئلة يتقدم بها الناس، أو وقائع تحديث ... ومع هذا فقد عمل بعمومها الفقهاء دون إنكار، كما قلنا.

ومثل هذا يقال في القوانين الوضعية، فالعبرة بالفاظها ونصوصها العامة وما اشتملت عليه من أحكام عامة، وإن كان تشرع الأحكام لأسباب خاصة أو وقائع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت