فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 243

مشترك متفق عليه فلا يجوز إحداث قول ثالث يخالف هذا القدر المجمع عليه، لأنه يعد خرقًا لإجماع قائم، وهذا لا يجوز. أما إذا كان القول الثالث لا يصادف شيئًا متفقًا عليه بين المختلفين، فيجوز إحداث قول آخر في المسألة، لأنه لا يلاقي إجماعًا في هذه الحالة. ولتوضيح هذا الرأي نضرب بعض الأمثلة:

أ- اختلف الصحابة في ميراث الجد مع الأخوة الاشقاء، أو الأب، على قولين الأول: أن الجد يحجب الأخوة، ويستأثر هو وحده بالميراث إن لم يكن معهم أحد غيرهم. الثاني: أن الجد يرث مع الأخوة ولا يحجبهم. فالقدر المشترك المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين: هو ضرورة إرث الجد مع الأخوة، والخلاف في حجبه لهم أو عدم حجبه. فإحداث قول ثالث بعدم إرث الجد مع الأخوة، قول لا يجوز، لخرقه الإجماع السابق وهو ضرورة توريث الجد مع الأخوة وهذا هوالقدر المتفق عليه بين المختلفين.

ب - اختلف الصحابة أيضًا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال فريق منهم: أنها تعتد بوضع الحمل. وقال فريق آخر: تعتد بأبعد الأجلين: الأشهر أو وضع الحمل. فالقدر المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين: هوعدم الاكتفاء بالأشهر فقط قبل وضع الحمل. فإحداث قول ثالث باحتساب العدة بالأشهر قبل وضع الحمل، قول لا يصبح، لخرقه القدر المتفق عليه، وخرقه الإجماع لا يجوز.

ج- ومثال إحداث القول الثالث الذي لايصادف قدرًا متفقًا عليه: مسألة انحصار الميراث في الأبوين وأحد الزوجين، فقد اختلف فيها مجتهدو العصر الأول فقال بعضهم: إن نصيب الأم ثلث المال كله فرضًا، ثم يُعطى لأحد الزوجين نصيبُه وهو الربع للزوجة والنصف للزوج، ثم يُعطى الباقي للأب.

وذهب فريق آخر إلى أن للأم ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين.

وما يبقى من تركة فللأب تعصيبًا.

فما ذهب إليه محمد بن سيرين في عصر التابعين: من أن للأم ثلث المال كله إن

كانت الزوجة هي الموجودة مع الأبوين، وأن للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج إن كان هو الموجود مع الأبوين، هذا القول لا يصادف قدرًا مشتركًا بين القولين، فلا يعد خرقًا للإجماع، فلا مانع من القول به ..

د - اختلف فقهاء العصر الأول في مدى حق الزوج في فسخ النكاح إذا وجد في زوجته برصًا أو جنونًا أو عتهًا أو رتقًا أو قرنًا، فذهب بعضهم إلى القول بالفسخ بجميع هذه العيوب، وذهب الآخرون إلى عدم جواز الفسخ اكتفاء بما للزوج من حق الطلاق، فإذا قال بعض المجتهدين: يجوز الفسخ بكذا وكذا من العيوب، ولا يجوز بغيرها، لا يعد قوله خرقًا للإجماع، لأن القولين لم يتفقا على قدر مشترك:

هو بعض هذه العيوب التي جاء القول الثالث بالفسخ بها.

175 -الراجح من هذه الأقول:

والقول الثالث هو الراجح، لأنه ينظر إلى حقيقة الإجماع، فإذا وجده في جزئيه ولوفي مسألة مختلف فيها، لم يهز إحداث قول ثالث يصادمه، أما إذا لم يجده فلا يرى مانعًا من إحداث قول جديد، لأن الممنوع هو إحداث قول ثالث يخرق إجماعًا سابقًا، والإجماع السابق لا ينصب على عدد الآراء التي ذهب إليها المختلفون، كما قال أصحاب القول الأول، حتى يقال لا يجوز إحداث قول آخر مطلقًا، وإنما ينصب على أحكام المسائل، وقد يتصور حصول اتفاق في بعض جزئيات المسألة، وإن كان الاختلاف فيها جملة حاصلًا كما مثلنا. ففي مسألة إرث الجد مع الأخوة، كأن المختلفين قال بعضهم: يرث الجد إن كان معه أخوة، وقال البعض الآخر لا يرث

الأخوة إن كانوا مع الجد، فالجزئية المتفق عليها في هذه المسألة: هي أن الجد يرث فلا يجوز إحداث قول ينقض هذه الجزئية المتفق عليها.

176 -مستند الإجماع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت