فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 243

التصريح بالرأي. فإذا تحقق كل ما ذكرناه، لم يبق وجه لعدم اعتبار السكوت علامة الموافقة. وتحقق الإجماع، والإجماع حجة قطعية.

القول الثالث: أنه ليس بإجماع، ولكنه حجة ظنية، وممن قال بهذا القول: بعض الحنفية، وبعض الشافعية.

وحجة هذا الرأي: أن حقيقة الإجماع: الاتفاق من الجميع حقيقة لا حدسًا وهذا لم يتحقق في الإجماع السكوتي، لأن السكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة فلن يكون كالصربح في الدلالة على الموافقة، فلا يعتبر لإجماعًا، ولكن لرجحان دلاليته

على الموافقة - إذا زالت الموانع من التصريح - اعتبر حجية ظنية.

173 -القول الراجح:

الواقع أن المطلوب لتحقق الإجماع: هو تحقق الموافقة على الرأي من الجميع، وتحقق الموافقة كما يتم بطريق صريح يكون بطريق الدلالة، فلا نرى حصرتحقق الموافقة بالتصريح فقط، لأن السكوت يصلح أن يكون طريقًا للدلالة على الموافقة متى ما قامت القرينة على ذلك، وانتفت الموانع. كما قال أصحاب القول الثاني، إذ في هذه الحالة يكون السكوت بيانًا، لأنه في موضع الحاجة، ويحرم على المجتهد السكوت إذا كان الرأي الذي قيل باطلًا، لا سيما وأن الظن بالمجتهدين أنهم لا يحجمون عن إبداء رأيهم إظهارًا للحق، وإن لقوا من جراء ذلك العنت والضيق

، وهذا الظن يقوي فينا الاعتقاد أن سكوتهم محمول على الرضا والموافقة، لا على الإنكار والمخالفة.

أما أذا لم تتمكن تمامًا من معرفة دلالة السكوت على الرضا، ولا من انتقاء موانع التصريح، فإننا نرى في هذه الحالة اعتبار ما حصل -أي الإجماع السكوتي- حجة ظنية فقط، وليس بإجماع بالمعنى المراد من الإجماع.

174 -اختلاف المجتهدين في مسألة على قولين (1) :

إذا اختلف المجتهدون في عصر من العصور في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة، ام لا يجوز؟ ذهب الأكثرون إلى المنع، وقال البعض بالجواز، واختار فريق التفصيل وهناك البيان:

القول الأول: المنع من إحداث قول ثالث؛ لأن حصر الاختلاف في قولين إجماع ضمني، أو أجماع مركب - كما يسمونه - على أن لا قول آخر في المسألة، فيكون القول برأي ثالث خرقًا لإجماع قد تم، وهذا لا يجوز.

والواقع أن هذا الحجة ضعيفة، لأن الذي حصل هو عدم القول بالرأي الثالث، وعدم القول بالشيء لا يستلزم القول بعدم ذلك الشيء، إذ بينهما فرق واضح، قفلا ينهض ما قالوه حجة لما ذهبوا إليه.

القول الثاني: الجواز مطلقًا؛ والحجة لهذا القول: أنه ما دام قد حصل اختلاف في مسألة بين المجتهدين، فهذا دليل قاطع على أن لا إجماع في المسألة، لأن الإجماع: اتفاق الجميع لا بعضهم، وحيث لم يحصل هذا الاتفاق فلا مانع من إحداث قول ثالث ورابع وأكثر، لأنه لا يخرق إجماعًا.

وهذه الحجة وإن كانت تبدو في ظاهرها قوية، إلا أنها في حقهقتها ضعيفة، لأن الإجماع يمكن أن يتحقق بين المختلفين في بعض ما اختلفوا فيه، وهذا القدر المتفق عليه هو محل إجماعهم، فلا يجوز مخالفته. ولذهول أصحاب هذا القول عن هذا المعنى، وقعوا في خطأ التعميم بالجواز مطلقًا

القول الثالث: اختيار التفصيل؛ وخلاصته: إذا كان بين المختلفين قدر

1 - (( إرشاد الفحول ) )ص 76 - 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت