159 -ثانيًا: السنة المشهورة:
وهي التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد أو اثنان، أي عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم
تواتر في عصر التايعين، وعصر تابعي التابعين، بأن كان رواتها جموعًا لا يتوهم تواطؤهم على الكذب (2) . فالسنة المشهورة، إذن: هي التي كانت في الأصل من سنن الآحاد، أي ما نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد دون عدد التواتر، ثم اشتهرت وتواترت في القرن الثاني والثالث، وهما عصرا التابعين وتابعي التابعين (3) . ومن هذا
1 - (( التعريف بالقرآن والحديث ) )لأستاذنا الزفزاف ص 240 - 241 والقاسمي ص 128 - 129.
2 - (( مسلم اثبوت ) )ج 2 ص 111 و (( حاشية ) )الإزميري ج 2 ص 196.
3 -عصر التابعين هو العصر الذي تبع عصر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. وعصر تابعي التابعين هو الذي تلا عصر التابعين. ولا عبرة بالتواتر أو الشهرة بعد هذه العصور الثلاثة، لأن السنن قد دونت هذه العصور وشاعت واشتهرت ونقلتها الكافة عن الكافة.
التعريف يتضح لنا بجلاء: أن السنة المشهورة غيرمقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها مقطوع بصحة نسبتها الى الراوي لها عن الرسول. ولهذا قال الحنفية عنها: أنها تفيد ظنًا قويًا كأنه اليقين، وهوما يسمى بعلم الطمأنينة، يصحة نسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي بمنزلة السنة المتواترة عند الحنفية من جهة لزوم العمل بها، وجعلها مصدرًا تشريعيًا، ودليلًا من أدلة الأحكام، ومن هذا النوع حديث: (( إنما الأعمال بالنياتِ، وإِنَّما لكل امراءٍ مانَوى ) )، و (( تحريم نِكَاحِ المرأة على عمتها أو على خالَتِها ) ) (1) .
160 -ثالثًا: سنة الآحاد:
وهي ما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد لم يبلغ حد التواتر، وذلك في عصر التابعين
وعصرتابعي التابعين. فهي ما ليست سنة متواترة، ولامشهورة، على قول الحنفية.
وما ليست متواترة على قول غيرهم (2) . وهي عند الجمهور: تفيد الظن الراجح بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفيد العلم لا الظن عند الظاهرية وبعض أهل الحديث. ولكن هل تعتبر هذه السنة من أدلة الأحكام، فيجب العمل بها، أم لا؟ وإذا قلنا بالإيجاب، فما هي الشرط اللازمة لذلك؟ هذا ما سنجيب عليه فيما يلي (3) .
161 -سنة الآحاد واجبة الاتباع، ومصدر للتشريع:
لا خلاف بين المسلمين أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل
1 - (( أصول ) )السرخسي ج 1 ص 392.
2 - (( مُسلَّم الثبوت ) )ج 2 ص 111.
3 - (( أصول ) )السرخسي ج 1 ص 321. (( الأحكام ) )لابن حزم ج 1 ص 108 وما بعدها، ومحاضرات في أصول الفقه الجعفري )) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص 130 وما بعدها الشوكاني ص 49. (( المستصفى ) )ج 1 ص 93. العسقلاني ص 8 - 9. (( مسلَّم الثبوت ) )ج 2 ص 122. الآمدي ج 2 ص 47 وما بعدها.
بها، والتقيد باحكامها، وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام. والبرهان على ذلك من وجوه عديدة، نذكر عمها ما يلي: