ولأبي حنيفة رحمه الله أنه حربي مقهور تحت أيدينا على ما قررناه في توقف الملك وتوقف التصرفات بناء عليه وصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فيؤخذ ويقهر وتتوقف تصرفاته لتوقف حاله فكذا المرتد واستحقاقه القتل لبطلان سبب العصمة في الفصلين فأوجب خللا في الأهلية بخلاف الزاني وقاتل العمد لأن الاستحقاق في ذلك جزاء على الجناية وبخلاف المرأة لأنها ليست حربية ولهذا لا تقتل فإن عاد المرتد بعد الحكم بلحاقه بدار الحرب إلى دار الإسلام مسلما فما وجده في يد ورثته من ماله بعينه أخذه لأن الوارث إنما يخلفه فيه لاستغنائه وإذا عاد مسلما احتاج إليه فيقدم عليه بخلاف ما إذا أزاله الوارث عن ملكه وبخلاف أمهات أولاده ومدبريه لأن القضاء قد صح بدليل مصحح فلا ينقض ولو جاء مسلما قبل أن يقضي القاضي بذلك فكأنه لم يزل مسلما لما ذكرنا
وإذا وطئ المرتد جارية نصرانية كانت له في حالة الإسلام فجاءت بولد لأكثر من ستة أشهر منذ ارتد فادعاه فهي أم ولد له والولد حر وهو ابنه ولا يرثه وإن كانت الجارية مسلمة ورثه الابن إن مات على الردة أو لحق بدار الحرب أما صحة الاستيلاد فلما قلنا وأما الإرث فلأن الأم إذا كانت نصرانية والولد تبع له لقربه إلى الإسلام للجبر عليه فصار في حكم المرتد والمرتد لا يرث المرتد أما إذا كانت مسلمة فالولد مسلم تبعا لها لأنها خيرهما دينا والمسلم يرث المرتد وإذا لحق المرتد بماله بدار الحرب ثم ظهر على ذلك المال فهو فيء فإن لحق ثم رجع وأخذ مالا وألحقه بدار الحرب فظهر على ذلك المال فوجدته الورثة قبل القسمة رد عليهم لأن الأول مال لم يجر فيه الإرث والثاني انتقل إلى الورثة بقضاء القاضي بلحاقه فكان الوارث مالكا قديما
وإذا لحق المرتد بدار الحرب وله عبد فقضى به لابنه وكاتبه الابن ثم جاء المرتد مسلما فالكتابة جائزة والمكاتبة والولاء للمرتد الذي أسلم لأنه لا وجه إلى بطلان الكتابة لنفوذها بدليل منفذ فجعلنا الوارث الذي هو خلفه كالوكيل من جهته وحقوق العقد فيه ترجع إلى الموكل والولاء لمن يقع العتق عنه
وإذا قتل المرتد رجلا خطأ ثم لحق بدار الحرب أو قتل على ردته فالدية في مال اكتسبه في حال الإسلام خاصة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا الدية فيما اكتسبه في حالة الإسلام والردة جميعا لأن العواقل لا تعقل المرتد لانعدام النصرة فتكون في ماله وعندهما الكسبان جميعا ماله لنفوذ تصرفاته في الحالين ولهذا يجري الإرث فيهما عندهما وعنده ماله المكتسب في الإسلام لنفاذ تصرفه فيه دون المكسوب في الردة لتوقف تصرفه ولهذا كان الأولى ميراثا عنه والثاني فيئا عنده