وأيضا فلو حصل الثواب بغير نية لأثيب الغاصب إذا أخذ منه المغصوب كرها وليس كذلك بإتفاق وإن حصل حق العبد فالصواب أن النية شرط في كون العمل عبادة والنية المرادة هنا نية الامتثال لأمر الله ونهيه وإذا كان هذا جاريا في كل فعل وترك ثبت أن في الأعمال المكلف بها طلبا تعبديا على الجملة
وهو دليل سادس في المسألة
فإن قيل فيلزم على هذا أن يفتقر كل عمل إلى نية وأن لا يصح عمل من لم ينو أو يكون عاصيا
قيل قد مر أن ما فيه حق العبد تارة يكون هو المغلب وقد تكون جهة التعبد هي المغلبة فما كان المغلب فيه التعبد فمسلم ذلك فيه وما غلب فيه جهة العبد فحق العبد يحصل بغير نية فيصح العمل هنا من غير نية ولا يكون عبادة لله فإن راعى جهة الأمر فهو من تلك الجهة عبادة فلا بد فيه من نية أى لا يصير عبادة إلا بالنية لا أنه يلزم فيه النية أو يفتقر إليها بل بمعنى أن النية في الامتثال صيرته عبادة كما إذا أقرض امتثالا للأمر بالتوسعة على المسلم أو أقرض بقصد دنيوي وكذلك البيع والشراء والأكل والشرب والنكاح والطلاق وغيرها ومن هنا كان السلف رضي الله عنهم يثابرون على إحضار النيات في الأعمال ويتوقفون عن جملة منها حتى تحضرهم
ويتبين بهذا أمور
منها أن كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله تعالى وهو جهة التعبد فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا فليس كذلك