فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1227

ولم يقف سلبًا عند ذلك بل كان ينتقد ماوقع فيه الأصوليين من التمثل بما لا ينطبق على القاعدة وهذه ميزة تدل على سعة اطلاعة وقوة ربطة بالقاعدة ودرايته بالتخريج انظر قوله: «تنبه: الذي نصره أكثر الأصوليين هو ماذكرناه، من أن الواجب مرادف للفرض، لكن أحكام الفروع قد بنيت على الفرق بينهما، فإن الفقهاء ذكروا أن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات ومسنونات، وأرادوا بالفروض الأركان.

وحكمهما مختلف من وجهين:

أحدهما: أن طريق الفرض منها أقوى من طريق الواجب.

والثاني: أن الواجب يجبر إذا ترك نسيانًا بسجود السهو، والفرض لايقبل الجبر، وكذا الكلام في فروض الحج وواجباته، حيث جبرت بالدم دون الأركان ... » [1]

حتى أنه كان ينتقد المذهب مع الاعتذار لهم من ذلك قوله في الفرع الذي ذكره الزنجاني في مسألة تكليف الكفار بالفروع وهو هل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر ونقل كلامه ثم قال «قلت: الصحيح من مذهب أحمد أنهم يملكونها, وهو ينافي أصله في أنهم مكلفون بالفروع ,لكن مأخذه في ملكهم لها غير ذلك ... » . [2]

ثم مع ماشتهر عنه من التشيع إلا أنه لم يظهر معتقده في كتابه هذا بل تجده يترضى على الصحابة والشيخين منهم، ويصرح في مواطن بمعتقد أهل السنة والجماعة. [3]

(1) - شرح مختصر الروضة:1/ 277.

(2) - شرح مختصر الروضة:1/ 219.

(3) - انظر مقدمة تحقيق التركي:1/ 36 - 37.

وممن اتهمه بالتشيع الصفدي، وابن رجب. قال الصفدي: «كان فقيهًا شيعيًا يظاهر بذلك وجد له بخطه هجو في الشيخين هجو في الشيخين ففوض أمره إلى بعض القضاة وشهد عليه بالرفض فضرب ونفي إلى قوص فلم ير منه بعد ذلك ما يشين ولازم الاشتغال وقراءة الحديث» نقل ذلك عنه السيوطي في بغية الوعاة (1/ 599)

وهذا الذي أجمله الذهبي والصفدي فصله ابن رجب بعد أن ذكر اسمه ورحلاته وشيوخه ومؤلفاته: «وله نظم كثير رائق وقصائد في مدح النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ وقصيدة طويلة في مدح الإمام أحمد وكان مع ذلك كله شيعيًا منحرفًا في الاعتقاد عن السنة حتى إنه قال عن نفسه:

حنبلي رافضي أشعري هذه إحدى العبر

ووجد له في الرفض قصائد وهو يلوح في كثير من تصانيفه حتى إنه صنف كتابًا سماه: العذاب الواصب على أرواح النواصب ومن دسائسه الخبيثة: أنه قال في شرح الأربعين للنووي: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك: عمر بن الخطاب وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم من ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن غيره مع علمه أن النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ قال: (اكتبوا لأبي شاة خطبة الوداع) وقال: (قيدوا العلم بالكتابة) قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ماروى عن النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ لا نضبطت السنة ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما 0

فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن أن أمير المؤمنين عمر ـرضي الله عنه ـ هو الذي أضل الأمة قصدًاَ منه وتعمدًا ولقد كذب في ذلك وفجر ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها وتواترها وقد صحت بحمد الله -تعالى- وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أو أكثرها لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة دون من أعمى الله بصيرته لا شتغاله عنها بشبه أهل البدع والضلالة والاختلاف لم يقع لعدم تواترها بل وقع من تفاوت فهم معانيها وهذا موجود سواء دونت وتواترت أو لا وفي كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها ولم يتميز وهذاجهل عضيم وقد كان الطوفي أقام بالمدينة النبوية مدة يصحب شيخ الرافضة السكاكيني المعتزلي ويجتمعان على ضلالتهما وقد هتكه الله وعجل الانتقام منه بالديار المصرية

ثم قال ابن رجب:"قال تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسي في حق الطوفي: قدم علينا-يعني الديار المصرية- في زي أهل الفقر وأقام على ذلك مدة ثم تقدم عند الحنابلة وتولى الإعادة في بعض مدارسهم وصار له ذكر بينهم وكان يشارك في علوم ويرجع إلى ذكاء وتحقيق وسكون نفس إلا أنه كان قليل النقل والحفظ وخصوصًا للنحو على مشاركة فيه واشتهر عنه الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما وفي غيرهما من جملة الصحابة رضي الله عنهم، وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له منها قوله في قصيدة:"

كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل: إنه الله

فرفع أمره ذلك إلى قاضي الحنابلة سعد الدين الحراثي 0

ثم أعقب ذلك بقوله:"وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه من آخر: أنه أظهر له التوبة وهو محبوس وهذا من تقيته ونفاقه فإنه في آخر عمره لما جاور بالمدينة كان يجتمع هو والسكاكيني شيخ الرافضة ويصحبه ونظم في ذلك ما يتضمن السب لأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وقد ذكر ذلك عنه شيخنا المطري حافظ المدينة ومؤرخها وكان قد صحبه بالمدينة» طبقات الحنابلة: (2/ 368 - 370) "

انتهى كلام ابن رجب المتعلق بهذا الموضوع ويحتاج إلى بعض الوقفات تتلخص فيما يلي:

الوقفة الأولى: مع قول ابن رجب:"وكان مع ذلك كله شيعيًا منحرفًا في الاعتقاد عن السنة"وهذه الوقفة تتمحور حول ما يبدو من التعارض بين كلام ابن رجب عن الطوفي في محفوظاته وشيوخه ومدحه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومدحه للإمام أحمد حيث قال:"وكان فاضلًا صالحًا ... وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون وعلق عنهم ... ولقي الشيخ تقي الدين ابن تيمية والمزي والشيخ مجد الدين الحراني وجالسهم إلى أن قال:"وله نظم رائق وقصائد في مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقصيدة طويلة في مدح الإمام أحمد"0 وبين وصفه بأنه شيعي منحرف في الاعتقاد عن السنة لأن التاريخ لم يحفظ لنا أن شيعيًا مدح الإمام أحمد وألف كتبه على مذهبه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما من عرف الإسلام كيف كان وهو مقر بأن محمدًا رسول الله باطنًا وظاهرًا فإنه يمتنع أن يكون في الباطن رافضيًا ولا يتصور أن يكون في الباطن رافضيًا إلا زنديق منافق أو جاهل بالإسلام ... فهل عرف أحد من فضلاء أصحاب الشافعي وأحمد وأصحاب مالك كان رافضيًا؟ أم يعلم بالاضطرار أن كل فاضل منهم من أشد الناس إنكارًا للرفض وقد اتههم طائفة من اتباع الأئمة بالميل إلى نوع من الاعتزال ولم يعلم أحد منهم اتهم بالرفض لبعد الرفض عن طريق أهل العلم ... » منهاج السنة النبوية (2/ 179 - 180) 0

ثم كيف يكون رافضيًاَ خبيثًا ويمدح أعداء الرفض وينتحل مذهبهم الفقهي فهو كما قال ابن رجب مدح الإمام أحمد بقصيدة طويلة وهو لم يدرك الإمام أحمد حتى يتملق له وينافق في مدح مذهبه 0

ومدح شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أشد أعداء الرافضة حيث قال:"كأن العلوم بين عينية يأخذ ما يشاء ويذر مايشاء وعرضت عليه أبيات فثنى رجليه وأجاب عنها بمائة وتسعة أبيات ويجيب في القعدة الواحدة بعدة كراريس» من الدرر الكامنة (1/ 153) وينظر في هذا الرد: مقدمة الانتصارات الإلهية (104 - 105) ، مقدمة الصعقة الغضبية (111) "

الوقفة الثانية: مع قول ابن رجب في تأكيده تشيع الطوفي:"إنه قال عن نفسه:"

حنبلي رافضي أشعري هذه إحدى العبر"كذا عند ابن رجب 0"

ويروى: حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري هذه إحدى الكبر

ولم يشر أحد إلى موضعها من كتبه ولم يوجد لها ذكرًا أو إشارة في كتبه ولا يستبعد إلصاقها به ثم إنه على فرض صحة نسبة هذه المقولة إليه فأي رواية منها قال؟ لأن في بعضها أنه رافضي وأشعري وحنبلي وبينها اختلاف وفي بعضها أنه حنبلي أشعري ظاهري وبين الثلاثة اختلاف - أيضًا- ولا تجمتع هذه المذاهب لا في الفقه ولا في العقيدة إلا على وجه التعسف وقد تتفق في بعض المسائل فقط 0

ثم إن البيت فيما يظهر أنه يصلح دليلًا على نفي التهمة عنه لا على تقويتهما وتأييدها فهو مسوق في صورة استغراب واستنكار وكأنه يريد أن يقول: إنها لإحدى العبر والكبر أن توجد هذه المتناقضات في شخص وأن يزعم اجتماعها. ينظر: مقدمة الانتصارات الإلهية (106 - 107) ، مقدمة الصعقة الغضبية (112) ، مقدمة شرح مختصر الروضة للبراهيم (88) 0

الوقفة الثالثة: مع قول ابن رجب:"ووجد له في الرفض قصائد"

وهذه دعوى تحتاج إلى دليل وكيف يخفى هذا الشعر وهو قصائد كما يقول ابن رجب وليس قصيدة واحدة ولا نجد له أثرًا عند ابن رجب ولا عند من قبله أو من بعده لا في شيء من مؤلفات الطوفي ولو كان شيء من ذلك الشعر موجودًا لما تناقل مؤرخوه جيلًا بعد جيل ذلك البيت المهلهل الذي ذكر قبل قليل وغضوا النظر عن هذه القصائد 0 انظر: مقدمة الصعقة الغضبية (112) 0

الوقفة الرابعة: مع قول ابن رجب:"وهو يلوح بالرفض في كثير من تصانيفة حتى إنه صنف كتابًا سماه: العذاب الواصب على أرواح النواصب"

والتلويح بالرفض في كثير من تصانيفة دعوى تحتاج إلى دليل وابن رجب من أعرف الناس بتصانيف الطوفي وأكثر ما وجدت مسرودة عنده ولو وجد شيئًا ذا بال لذكره ولكنه لم يجد إلا ما استخرج من شرح الأربعين النووية وهو غير صريح في ذلك كما سيأتي والذي وصلنا من كتب الطوفي لم نجد فيه شيئًا من ذلك 0

أما قول ابن رجب:"حتى إنه صنف كتابًا سماه: العذاب الواصب على أرواح النواصب"فليس فيه دليل ظاهر على ذلك لأن ابن رجب لم يذكر لنا شيئًا عن محتوى الكتاب ولم نطلع عليه ولم يعرف أحد اطلع عليه ووصف مضمونه ولذا فليس أمامنا إلا التوقف عن الحكم له أو عليه بهذا الكتاب وأ العنوان فليس فيه دليل على ذلك لأن لفظ النواصب صار علمًا على مبغضي علي ـ رضى الله عنه ـ ومن يناصبونه العداء وأهل السنة ليسوا كذلك فهم يحبون عليًا أكثر مما تحبه الرافضة وبشتركون مع الرافضة في بغض وعداء مبغضي علي ـ رضى الله عنه ـ فليس في العنوان أي دليل على المضمون 0 مقدمة الانتصارات الإليهة (107) مقدمة الصعقة الغضبية (113) ، مقدمة شرح مختصر الروضة للبراهيم (88 - 89)

ويقول الدكتور إبراهيم البراهيم:"أما تصنيفه كتابًا سماه العذاب الواصب على أرواح النواصب فلا دليل فيه على تشيع مؤلفه بالنظر إلى عنوانه إذ إن النواصب وهم الذين يبغضون عليًا يشترك أهل السنة مع الشيعة في عدم الرضى ببغض علي فليس الرد عليهم خاصًا بالشيعة على أن تحديد ما يحويه الكتاب من أراء إنما يثبت بالاطلاع عليه» مقدمة شرح مختصر الروضة (88) 0"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت