والفرق بين الصديق . والمحدث أن الصديق نفسه قريبة المأخذ من نفس النبي ، كالكبريت بالنسبة إلى النار ، فكلما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم خبرا وقع في نفسه بموقع عظيم ، ويتلقاه بشهادة نفسه حتى صار كأنه علم هاج في نفسه من غير تقليد ، وإلى هذا المعنى الإشارة فيما ورد من أن أبا ابا بكر الصديق كان سمع دوي صوت جبريل حين كان ينزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، والصديق تنبعث من نفسه لا محالة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أشد ما يمكن من الحب ، فيندفع إلى المواساة معه بنفسه وماله والموافقة له في كل حال حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه ' أمن الناس عليه في ماله وصحبته ' وحتى يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو أمكن أن يتخذ خليلا من الناس لكان هو ذلك الخليل ، وذلك لتعاقب ورود أنوار الوحي من نفس النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفس الصديق ، وفكلما تكرر التأثير والتأثر والفعل والانفعال حصل الفناء والفداء ، ولما كان كماله الذي هو غاية مقصوده بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وباستماع كلامه لا جرم كان أكثرهم له صحبة . ومن علامه الصديق أن يكون أعبر الناس للرؤيا ، وذلك لما جبل عليه من تلقي الأمور الغيبية بأدنى سبب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب التعبير من الصديق في واقعات كثيرة ، ومن علامة الصديق أن يكون أول الناس إيمانا وأن يؤمن بغير معجزة . والمحدث تبادر نفسه إلى بعض معادن العلم في الملكوت ، فتأخذ منه علوما مما هيأه الحق هناك ؛ ليكون شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليكون إصلاحا لنظام بني آدم وإن لم ينزل الوحي بعد على النبي صلى الله عليه وسلم ، كمثل رجل يرى في منامه كثيرًا من الحوادث التي أجمع في الملكوت على إيجادها . ومن خاصة المحدث أن ينزل القرآن على وفق رأيه في كثير من الحوادث ، وأن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه أعطاه اللبن بعد ريه .