قوم من أولي المروءة، ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافًا وإن بلغت منه الرِّجْلَةُ) [1] .
فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة [2] -بأن جعلوا حميرًا وصوتهم نهاقًا- مبالغة شديدة في الذم والتهجين، وإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه، وتنبيه على أنه من كراهة الله بمكان) [3] .
فبان بهذه الآثار عن السلف وأقاويل أهل العلم عند هذه الآية أن غض الصوت والخفض منه مطلوب شرعًا، وأن رفع الصوت - بلا حاجة شرعية - منكر أشد النكارة، والله تعالى أعلم.
الأمر الثاني: أن خفض الصوت والغض منه يتحقق به المراد في العبادات الشرعية والتعاملات البشرية، ولا يطلب رفع الصوت إلا لتحقق المصالح الشرعية المترتبة على الرفع، وهذا ما وردت به الشريعة.
قال ابن القيم [4] رحمه الله: (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أُدْخِلت فيها بالتأويل) [5] .
(1) الرجلة: أي شدة المشي على قدميه، انظر: تاج العروس من جواهر القاموس (29/ 39) .
(2) في المطبوع من الكشاف (وإن جعلوا ... ومبالغة) ولا يستقيم الكلام إلا بما أثبت والله أعلم.
(3) انظر: الكشاف للزمخشري (5/ 18) .
(4) أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الحنبلي، ابن قيم الجوزية، أحد كبار العلماء، تتلمذ لابن تيمية، ألف تصانيف كثيرة منهاإعلام الموقعين وزاد المعاد مات سنة 751 ه.
الوافي بالوفيات (2/ 195) الدرر الكامنة (5/ 137) المقصد الارشد (2/ 384) .
(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (4/ 337) .